تابعوا قناتنا على التلغرام
مقالات مختارة

عماد رزق | إيران على مفترق طرق!

بقلم الدكتور عماد رزق

تمر إيران بلحظة تاريخية بالغة الحساسية، تجمع بين جمود سياسي داخلي، وتحولات عسكرية جوهرية، وإعادة تشكيل إقليمي، وتحول أمريكي نحو استراتيجية استنزاف بطيء. ما يحدث الآن ليس مجرد هدوء عسكري، بل إعادة ضبط استراتيجي شامل من جميع الأطراف، قد يكون الأكثر حسماً في مسار الصراع خلال العقد الأخير.

أولاً: المشهد الداخلي – أزمة صنع القرار

تعيش إيران منذ نحو 130 يوماً حالة عالقة بين الحرب والتفاوض، حيث لا تستطيع الحرب وحدها حل النزاع، ولا الدبلوماسية التقليدية وحدها إنهاء الدائرة. هذا الجمود أدى إلى استنزاف القوة الوطنية، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وإضعاف القدرة على اتخاذ القرار.

يكشف المشهد الداخلي عن استمرار الانقسام التاريخي بين تيارين رئيسيين:

 التيار العقلاني/الإصلاحي، ممثلاً بالرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف، ويدعو لإدارة مخاوف المجتمع الدولي عبر الدبلوماسية وقبول قيود محددة مقابل فرص اقتصادية وتكنولوجية.

· التيار الراديكالي/المتشدد، الذي ينظر للقضايا الأمنية كمسائل كرامة وشرف، ويرفض المرونة ويعتبرها ضعفاً، ويتمتع بقوة إعلامية واسعة تعيق اتخاذ القرار العقلاني.

في تطور جوهري، شهدت إيران إعادة تمركز للسلطة لصالح براغماتيين عسكريين أمنيين، مع تعيين ممثل جديد للمرشد في أعلى هيئة لصنع القرارات الأمنية، وستة قادة عسكريين كبار. هذه التعيينات ليست مجرد تبديل إداري، بل توطيد للسلطة في مؤسسات الأمن، وتركيز على التماسك الداخلي، وصعود لشخصيات تشدد على الأمن والاستقرار وبقاء النظام، وهي أكثر استعداداً للتراجع أو التفاوض إذا رأت أن ذلك يخدم بقاء الدولة.

ثانياً: البنية العسكرية – عقيدة منع الوصول

طوّرت إيران منظومة “منع الوصول وحرمان المنطقة” (A2/AD)، وهي نسخة أقل تطوراً من النموذج الصيني لكنها فعالة، صُممت لتناسب مواردها المحدودة. الفكرة الجوهرية أن الطريق إلى ميدان المعركة أصبح هو ميدان المعركة نفسه.

تتكون المنظومة من ثلاث طبقات متكاملة:

· الطبقة الأولى: استهداف القواعد العسكرية لمنع انطلاق الهجوم، عبر هجمات صاروخية وبالمسيرات تستهدف المنشآت الأمريكية في الخليج، مما يشل قدرة الخصم على بدء الهجوم بفاعلية.

· الطبقة الثانية: السيطرة على الممرات المائية، وتحديداً مضيق هرمز وباب المندب، حيث تسمح جغرافية هرمز الضيقة للبطاريات الساحلية بتهديد الملاحة، بينما أثبتت عمليات الحوثيين في باب المندب فاعليتها كقيد مسرحي شامل.

 الطبقة الثالثة: تقييد الحركة داخل الخليج وتحويله إلى “منطقة قتل”، عبر زوارق سريعة، وغواصات ضحلة، وتكتيكات الأسراب، والحصون الصاروخية التي تعزز الدفاعات الساحلية.

الهدف النهائي ليس إغراق كل السفن المعادية، بل إبقاء المنظومات الدفاعية في حالة عمل دائمة، ومخازن الصواريخ الاعتراضية المكلفة في حالة استنزاف مستمر، مما يجعل أي تدخل عسكري عملية مرهقة وغير مستدامة.

ثالثاً: التحول الأمريكي – من القوة إلى الاستنزاف

تشير المعطيات إلى تحول واضح في النهج الأمريكي نحو استراتيجية استنزاف اقتصادي أبطأ، بالتركيز على الضرر المالي للعقوبات المشددة والحصار البحري، والرهان على أن استمرار الضغط سيدفع القيادة الإيرانية لتقديم تنازلات أكبر.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه نقاط ضعف: السياسة الأمريكية تجاه إيران تغيرت عدة مرات، وارتفاع أسعار النفط نتيجة تهديد مضيق هرمز قد يضع الإدارة تحت ضغط داخلي.

في تطور لافت، فتحت إدارة ترامب قناة اتصال خلفية مباشرة مع قيادة الحرس الثوري عبر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، مما يكشف اعترافاً أمريكياً بأن عقدة القرار في إيران ليست في الحكومة، بل في الحرس الثوري. رسالة قائد الحرس كانت داعمة للمفاوضات، مما يشير إلى انقسام داخلي في المؤسسة العسكرية واستعداد للتفاوض.

رابعاً: إعادة تشكيل المشهد الإقليمي – اتفاق مكة

الاتفاق الثلاثي (السعودية- تركيا– باكستان) يحمل رسالة تحذير لإيران بأن المنطقة تتغير. لكن القراءات الإيرانية مختلفة: يرى المتشددون فيه تحالفاً عدائياً، بينما يراه العقلانيون دليلاً على أن دول المنطقة تبحث عن ترتيبات أمنية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة، مما قد يفتح الباب لإدماج إيران في نظام أمني إقليمي جديد.

الموقف الراهن للبراغماتيين العسكريين أقرب إلى اعتبار الاتفاق إنذاراً، مما قد يدفعهم لتأكيد حضورهم الاستراتيجي دون إغلاق باب الحوار.

السيناريوهات المرجحة

السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً): الجمود المُدار، مع استمرار الاستنزاف الاقتصادي وبقاء القنوات الخلفية مفتوحة، وإدارة الأزمة دون حرب شاملة، في انتظار استغلال أي انقسام أمريكي داخلي.

السيناريو الثاني: التصعيد المحدود، إذا شعرت إيران أن اتفاق مكة يتحول إلى تحالف عسكري فعلي، وقد ترد باستهداف قواعد أمريكية أو سفن، ثم يعود الهدوء المحكوم.

السيناريو الثالث: الانهيار الداخلي، إذا استمر التدهور الاقتصادي دون أفق سياسي، مما قد يؤدي لاحتجاجات واسعة، لكن القيادة الجديدة تركز على التماسك الداخلي لمنع هذا السيناريو.

الخلاصة

أمريكا تراهن على الوقت عبر حصار اقتصادي طويل، وإيران تراهن على تمركز القوة في أيدي العسكر البراغماتيين القادرين على التفاوض بمرونة، والمنطقة ترسم ملامح نظام جديد قد تستغله إيران أو تصطدم به. العامل الأكثر حسماً هو قدرة القيادة الإيرانية الجديدة على تحويل هذا البرزخ إلى مخرج يحفظ بقاء النظام دون حرق الأصول، ويمنح الشعب الإيراني أفقاً اقتصادياً.

المخرج الحقيقي لا يكمن في اختيار بسيط بين المقاومة والتفاوض، بل في استراتيجية مركبة تجمع بين الردع المدروس والدبلوماسية الفعالة، مع إجماع داخلي وقرار شجاع من القيادة الجديدة في طهران.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى