تابعوا قناتنا على التلغرام
اخبار لبنان

عماد رزق :تحول “صفقة العفو” إلى معركة دستوريّة و سياسيّة!

بقلم عماد مارون رزق

في مشهد سياسي نادر لم تألفه الساحة اللبنانية إلا في لحظات الانفلات الدستوري، تحول قانون العفو العام الذي كان منتظراً كحل لأزمة السجون الممتلئة، إلى ساحة مواجهة بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، لتتحول “صفقة العفو” إلى معركة دستورية وسياسية كشفت عن عمق الانقسامات وغرابة التحالفات في لبنان.

فبينما كان المجلس النيابي يستعد لمناقشة مشروع قانون كان يفترض أن يطوي صفحة مؤلمة من الاعتقالات الطويلة والملفات العالقة، فوجئ الحاضرون بخلاف علني حول من يحق له التحدث باسم مؤسسة الجيش، لتتحول قاعة المجلس إلى مسرح لصراع لا يتعلق فقط ببنود العفو، بل بصلاحيات رئيس الحكومة مقابل استقلالية الوزراء، وبمن يملك الشرعية في التعبير عن الموقف الأكثر حساسية في الدولة: رأي المؤسسة العسكرية.

لم يكن الخلاف وليد اللحظة، بل كان نتيجة تراكمات سياسية وقضائية حول مشروع العفو الذي طال انتظاره. فمنذ طرحه، واجه المشروع انتقادات واسعة ومتناقضة: عائلات الموقوفين الإسلاميين رأت أن الاستثناءات “أفرغت العفو من مضمونه”، بينما عائلات العسكريين القتلى حذرت من أن القانون قد يؤدي إلى إطلاق سراح “متورطين بدم الجنود”، ووصف التيار الوطني الحر المشروع بأنه “تكريس للإفلات من العقاب”، بينما اعتبره آخرون “محاصصة طائفية وسياسية“.

في خضم هذا الجدل، اندلع الخلاف بين سلام ومنسى عندما منع رئيس الحكومة وزير الدفاع من إلقاء كلمة كان قد أعدها لنقل ملاحظات قيادة الجيش، مستنداً إلى المادة 64 من الدستور التي تنص على أن رئيس الحكومة هو من يمثل الحكومة ويتحدث باسمها. غير أن الوزير منسى اعتبر أن من حقه التحدث نيابة عن وزارته، خاصة أن النقاش يمس رأياً عسكرياً حساساً، فغادر المجلس احتجاجاً، ليكون انسحابه إيذاناً بانسحاب نواب التيار الوطني الحر وحزب الله الذين اعتبروا المنع “سابقة خطيرة“.

هذا المشهد كشف عن أزمة أعمق، إذ تبين أن قيادة الجيش كانت قد قدمت ملاحظاتها خطياً إلى اللجان النيابية، متضمنة رفضاً واضحاً لأي عفو يشمل “من تلطخت أيديهم بدم الجيش”، وخصوصاً في قضايا اغتيال العسكريين كأحداث عبرا. غير أن الخلاف كان حول آلية عرض هذا الموقف، وهل يجب أن يكون شفاهياً في الجلسة العلنية أم عبر القنوات الرسمية للحكومة.

ولعب رئيس الجمهورية جوزاف عون دوراً تنسيقياً، إذ ترأس اجتماعات لمناقشة القانون مع وزير الدفاع والنواب، ودعم مساعي إقراره “بتوافق واسع”، لكنه لم يعلن موقفاً حاسماً من مضمونه، مكتفياً بدور الوسيط بين الأطراف، مما أثار تساؤلات حول حقيقة دوره في هذه الأزمة.

التداعيات فورية ومباشرة

انسحاب الكتلتين أدى إلى فقدان النصاب وتأجيل التصويت في جلسة الثلاثاء 11 أغسطس، لكن المجلس عاد وانعقد الأربعاء 12 أغسطس وأقر القانون بأغلبية الكتل الباقية، وسط تعديلات شملت خفض مدة الإفراج من 14 إلى 12 سنة سجنية، وإسقاط شرط “الحكم المبرم” لتوسيع قاعدة المستفيدين، مع بقاء الاستثناءات على جرائم الإرهاب والقتل العمد والجرائم التي تمس أمن الدولة.

ورغم إقرار القانون، فإن الجدل لا يزال قائماً حول دستورية منع وزير الدفاع، واحتمال الطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري. كما أن التنفيذ بدأ بالفعل، حيث من المتوقع الإفراج عن آلاف السجناء، لكن مخاوف عائلات العسكريين ما زالت قائمة، واحتجاجاتهم لم تتوقف، وقطعوا طرقات في بعض المناطق احتجاجاً على ما وصفوه بـ”التهاون بدماء الشهداء“.

في التحليل النهائي، يبقى السؤال المطروح: هل هذا القانون هو خطوة نحو المصالحة وتخفيف الأزمات، أم أنه صفقة متعثرة عكست عمق الانقسامات السياسية والطائفية؟ وهل نجح رئيس الحكومة في فرض سلطته الدستورية، أم أنه أضاع فرصة حقيقية لتوحيد الموقف الوطني حول قضية جوهرية؟

ما حدث في جلسة العفو لم يكن مجرد خلاف حول كلمة وزير دفاع، بل كان كشفاً عن هشاشة التوافقات اللبنانية، وعن صعوبة تمرير أي مشروع وطني في بلد تتحكم فيه المحاصصة حتى في أحلك الملفات إنسانية. والعفو، الذي كان يفترض أن يكون بوابة للخروج من عنق الزجاجة، أصبح مرآة تعكس كل تناقضات النظام السياسي اللبناني.

يبقى أن الأيام المقبلة ستكشف عن حقيقة المستفيدين من هذا القانون، وعن مدى قدرة الدولة على إدارة تداعياته، وعن ما إذا كانت هذه الصفقة المتعثرة ستتحول إلى إنجاز حقيقي، أم أنها ستظل شاهداً على أزمة دستورية وسياسية طالت أكثر من ملف.

المصدر : أخبار البلد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى