تابعوا قناتنا على التلغرام
مقالات مختارة

ما معنى السيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر!

المستشار في الشؤون الامنية عماد رزق

في مشهد متشابك الأبعاد، تتقاطع الخيوط الميدانية مع المسارات التفاوضية على أرض جنوب لبنان، حيث تحاول إسرائيل فرض واقع جديد قبل انطلاق جولة مفاوضات حاسمة في روما. بين إعلان السيطرة على مرتفعات علي الطاهر، وغارات متواصلة تستهدف مثلثات استراتيجية، وملف الأسرى الذي يعود إلى الواجهة، يبدو أن المنطقة على موعد مع تحولات كبرى.

“السيطرة العملياتية”.. إنجاز أم مناورة؟

مساء الخميس، أعلن جيش الاحتلال تحقيق “سيطرة عملياتية” على مرتفعات علي الطاهر، بعد أسابيع من العمليات العسكرية المكثفة. وزعم بنيامين نتنياهو أن المرتفعات “لم تعد تشكل تهديداً لإسرائيل”، مؤكداً أن القوات “قضت على أعداد كبيرة من المسلحين” وعثرت على بنى تحتية متطورة تشمل غرف عمليات ومستودعات أسلحة، بُنيت على مدار عقدين بتمويل إيراني.

لكن المعطيات الميدانية ترسم صورة مختلفة. مصادر ميدانية تؤكد أن المنشآت أُخليت من العناصر والمعدات الأساسية قبل الاقتحام، وأن منظومة دفاعية خارجية لا تزال قائمة في محيط المرتفعات. العميد المتقاعد خالد حمادة يوضح: “المرتفعات ساقطة عسكرياً بمعنى أن القوات الإسرائيلية موجودة في محيطها، لكن مجرد عدم دخولها إلى المنشأة لا يعني أنها لا تسيطر عليها ميدانياً”.

المثلثات الاستراتيجية.. قلب المعركة النابض

في سياق تأمين محور علي الطاهر وعزل النبطية عن إقليم التفاح، كثّف الطيران الإسرائيلي غاراته على منطقتين رئيسيتين تشكلان شريان الحياة للمنطقة:

مثلث المحمودية – العيشية – الجرمق، الواجهة الشرقية للنبطية، وهو الممر الحيوي الذي يصل المدينة بإقليم التفاح. تزامنت الغارات على هذه المنطقة مع اجتماع للرئيس جوزيف عون مع قائد الجيش، حيث طلب منه “التصدي لأي توغل إسرائيلي” في الأراضي الجنوبية.

مثلث سجد – عربصاليم – الجبور، قلب إقليم التفاح الجبلي والمعقل اللوجستي للحزب. هذا المثلث يشكل الهدف الثاني في التقدم شرقاً، حيث تتركز فيه مرتفعات استراتيجية تطل على مساحات شاسعة.

التسلسل المنطقي للمعركة يكشف عن خطة إسرائيلية واضحة: التقدم من الغرب إلى الشرق، بدءاً من علي الطاهر، مروراً بالمثلث الأول لتأمين التقدم وقطع الإمدادات، وصولاً إلى المثلث الثاني الذي يمثل عمق الإقليم الاستراتيجي.

مفاوضات وضغوط متقاطعة

في خلفية المشهد الميداني، تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما برعاية أمريكية. يتزامن ذلك مع الإفراج عن معتقلين لبنانيين من سجون الاحتلال، في خطوة تعكس مساراً تفاوضياً أوسع. لبنان يطالب بأن تكون بلدتا بنت جبيل أو الخيام المناطق المقبلة للانسحاب الإسرائيلي.

لكن التهديدات الإيرانية تضفي بعداً آخر على المشهد. طهران حذرت واشنطن من أنها سترد بقوة على أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر، مشيرة إلى وجود عسكريين إيرانيين إلى جانب مقاتلي حزب الله. في المقابل، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالرد المباشر على أي تحرك إيراني.

الجيش اللبناني في مرمى النيران

في تطور لافت، يوسع الجيش الإسرائيلي حملته على الجيش اللبناني، في وقت يكرر فيه قائد الجيش العماد رودولف هيكل أن مهام الجيش لا تتماشى مع المصالح الإسرائيلية. الرئيس عون طلب من قائد الجيش التصدي لأي توغل إسرائيلي، في رسالة واضحة بأن لبنان لن يتخلى عن سيادته.

أما ملف “اليونيفيل” فيعود إلى الواجهة بقوة، مع معلومات عن مساعٍ فرنسية عبر مجلس الأمن لتشكيل قوة دولية تحل محلها في جنوب لبنان، مما يشير إلى مسار تفاوضي لتعديل المظلة الدولية في المنطقة.

سيناريوهات مفتوحة

ثلاثة سيناريوهات تلوح في الأفق: الأول، تثبيت تفاوضي قد يُستخدم فيه الإنجاز الميداني كورقة ضغط إسرائيلية لفرض شروط أمنية، مع احتمال تسليم الموقع للجيش اللبناني كجزء من صفقة أوسع. الثاني، تصعيد عسكري إذا شعرت إيران أو حزب الله بتهديد وجودي. الثالث، استنزاف متواصل مع بقاء الوضع في علي الطاهر مفتوحاً.

في كل الأحوال، يبدو أن جنوب لبنان يشهد مرحلة جديدة، حيث تتداخل المعارك الميدانية مع حسابات السياسة والدبلوماسية، في لعبة معقدة لا يزال مصيرها معلقاً بين إرادات القوى المتصارعة.

يبقى السؤال الأهم: هل تحاول إسرائيل فرض واقع جديد قبل جولة المفاوضات، أم أننا أمام مشهد أوسع يرسم ملامح تسوية شاملة في المنطقة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى