تابعوا قناتنا على التلغرام
مقالات مختارة

أرمينيا بين ممرات الشرق والغرب!


خلف واجهة التوتر الإقليمي مع إيران، المرتبط بالبعد العسكري والبرنامج النووي وأمن الملاحة في الخليج، يتنامى بُعد آخر أقل حضوراً في التغطية اليومية، يتصل بالتطورات الجارية في جنوب القوقاز، حيث تعمل الصين وروسيا، ومعهما إيران، على تطوير شبكة نقل برية في وقت يستمر فيه الضغط على مضيق هرمز، بالتوازي مع تحركات مماثلة من دول الخليج لتطوير ممرات بديلة للطاقة والتجارة خارج هذا الممر الحيوي. ويمتد هذا الممر البري من روسيا إلى الصين مروراً بإيران وباكستان. وبينما تشكل أرمينيا حلقة ربط أساسية بين روسيا وإيران ضمن هذا المشروع، ستحدد الانتخابات البرلمانية يوم الأحد ما إذا كانت أرمينيا ستتجه نحو الشرق أو الغرب، في نتيجة قد تنعكس مباشرة على مسار هذه الشبكة البرية الناشئة، وهو ما دفع روسيا إلى استباق النتيجة بتحذيرها من تكرار التجربة الأوكرانية.

بدائل مضيق هرمز وبحر الصين الجنوبي

في موازاة مساعي باكستان للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، تُعقد اجتماعات ثنائية لتعزيز مسارات النقل التي تربط الموانئ الباكستانية، وفي مقدمتها غوادر وكراتشي وقاسم، بالمعابر الحدودية الإيرانية. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تربط إيران بالممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، أحد أبرز مشاريع مبادرة “الحزام والطريق”، والذي يمنح الصين منفذاً مباشراً إلى المحيط الهندي، بعيداً عن التهديدات المرتبطة بالتوتر في مضيق هرمز وبحر الصين الجنوبي.

ويأتي هذا المسار ضمن إعادة تشكيل أوسع لطرق التجارة بين آسيا وأوراسيا، مع تنامي الحاجة إلى قنوات نقل أقل عرضة للاضطرابات الأمنية والسياسية، وأكثر قدرة على ضمان استمرارية تدفق الطاقة والبضائع. وفي المقابل، تتوسع مشاريع الممرات البديلة خارج مضيق هرمز لدى أكثر من طرف إقليمي، سواء في الخليج أو في محيطه الأوسع، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالتوترات الأمنية وتعطل الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد في محور الصين وحلفائها، إذ تقترب إيران من استكمال خط سكة حديد تشابهار – زاهدان، الذي تجاوزت نسبة إنجازه 90%، ومن المتوقع تشغيله خلال عام 2026. وتتجاوز أهمية هذا المشروع ربط ميناء تشابهار بالداخل الإيراني، لتشمل إدخاله ضمن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يربط الموانئ الإيرانية بروسيا ودول آسيا الوسطى عبر شبكة نقل برية وسككية متعددة المسارات.

من هنا تبرز أهمية أرمينيا بالنسبة إلى موسكو. فجنوب القوقاز يشكل إحدى المناطق التي تتقاطع فيها أو تمر عبرها مشاريع الربط بين روسيا وإيران، كما يمثل مساحة أساسية للحفاظ على التواصل الجغرافي والسياسي بين الطرفين. ويمنح هذا الموقع أرمينيا حساسية خاصة، إذ يُعد أحد المسارات القليلة التي تتيح ربط روسيا بإيران برّاً عبر جنوب القوقاز، ما يجعل أي تغيير في توازناته السياسية أو تحالفاته مؤثراً بشكل مباشر على استمرارية هذا الربط. ومثلما تشكل إيران دولة تقع على خطوط عبور أساسية في هذا التشابك، تبدو أرمينيا بدورها جزءاً من معادلة الممرات نفسها، في صراع لا يقل أهمية عن الصراعات العسكرية المباشرة، لكنه يجري على مستوى الطرق والبنى التحتية.

الضغوط الروسية قبيل الانتخابات

وعليه، لا تتعامل موسكو مع الانتخابات الأرمنية المقبلة باعتبارها استحقاقاً داخلياً عادياً. فمنذ أشهر، تتصاعد الرسائل الروسية التحذيرية تجاه أرمينيا على وقع ابتعادها التدريجي عن الفلك الروسي واقترابها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وخلال الأسابيع الأخيرة، انتقلت هذه الرسائل من الضغوط الاقتصادية إلى التحذيرات السياسية المباشرة، إذ أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الربط بين المسار الأرمني وما جرى في أوكرانيا، معتبراً أن الأزمة الأوكرانية بدأت عندما اتجهت كييف نحو أوروبا. وسرعان ما انضم الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو إلى هذه التحذيرات، داعياً الأرمن إلى عدم تكرار التجربة الأوكرانية وعدم التسرع في الابتعاد عن موسكو.

بالتوازي، لوّحت روسيا بإعادة النظر في امتيازات الطاقة التي تتمتع بها أرمينيا، وفرضت قيوداً على عدد من الواردات الأرمنية، في وقت استدعت فيه سفيرها في يريفان للتشاور. وتأتي هذه الضغوط في ظل تحولات متسارعة داخل أرمينيا نفسها، حيث جمّدت حكومة نيكول باشينيان مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ووسّعت تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، وفتحت الباب أمام تقارب غير مسبوق مع الاتحاد الأوروبي. بالنسبة إلى موسكو، تُعد أرمينيا حليفاً تقليدياً في جنوب القوقاز، وأي خسارة لها تعني انتقالها إلى الضفة المقابلة، في لحظة تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والممرات الاستراتيجية. وهذا ما يضع دولة لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة في قلب صراع يتجاوز حجمها بكثير.

مع أهمية أرمينيا في حسابات كل من الصين وروسيا، ستأتي نتائج الانتخابات في ظل التوتر الإقليمي المرتبط بإيران لتحدد مسارها المقبل: إما انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة في الإقليم على غرار ما جرى في أوكرانيا، أو إعادة تموضعها إلى جانب الشرق، بما يعزز مسار المشاريع البرية البديلة ويمنحها امتداداً عبر باكستان نحو الصين، في محاولة للالتفاف على الخناق القائم في الممرات البحرية وعلى رأسها مضيق هرمز.

المصدر : المدن

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى