تابعوا قناتنا على التلغرام
مقالات مختارة

كتب كاتب روائي سوري : فرقة ميّاس سوريّة؟ إنه المستحيل!!

نجحت فرقة ميّاس، بصرف النظر عن فوزها بلقب مسابقة أمريكاز غوت تالنت، فاللقب أتى تتويجاً للنجاح لا بوابة إليه. نجحت ميّاس في وقت فشل ويفشل فيه لبنان على مختلف الصعد، وكأنها صورة لبنان الآفل من دون الوقوع في أوهام “الزمن الجميل”. وهو أيضاً، ككل نجاحٍ، يمكن وضعه على مشرحة النقد، وتقشيره من تلك الدهشة الأولى. ما قدّمته الفرقة مثلاً قد يسقط سريعاً في امتحان الحديث عن الرقص وفنونه كما ألِفناه، لتنافسه على الصدارة تقنيات وبرمجيات لولاها لما كانت ميّاس، ولا كان هناك ذلك الدمج بين زيّ الرقص الذي يلاقي مخيلتنا عن التراث وآخر الصور المتوفرة لنا عن الفضاء وكواكبه.

قدّمت الفرقة، مهما كان رأينا النقدي بها، عروضاً مدهشة جداً، وهذا هو الرهان الأساسي؛ القائم على مفهوم العرض. الرهان الذي نجحت فيه الفرقة هو أن تعمل هذه الكوكبة من الفتيات بانسجام تام، أو بالأحرى بانسجام ينسينا في بعض اللحظات أنهن مجموعة من الفتيات، ولسن كائنات مبرمَجة بدقة شديدة على هذا النحو، بما قد يبدو لهذا النسيان من إجحاف بحقن إذ نشبّههن بالآلة؛ إجحاف صنعنه بمهاراتهن!

العنوان أعلاه ينطلق من استحالة وجود فرقة سورية، من النساء أو الرجال أو فرقة مختلطة، قادرة على تقديم هذا الجهد الجماعي شديد الانسجام والتكامل، حيث الفرد في خدمة الكل إلى حد التفاني في الكثير من الأحيان. هناك عطب سوري يمنع هذا الاجتماع المثمر، وهو ليس في جينات السوريين، إلا أنه يكاد يكون واحداً من المسلّمات المتفَق عليها.

قد لا نبالغ إذا قلنا أن عدد أفراد فرقة ميّاس يفوق عدد الكتلة الفاعلة لأي تنظيم سياسي سوري، باستثناء التنظيمات الموجودة كسلطات أمر واقع، بما للسلطة من قدرة على اجتذاب أتباع. وإذا تابعنا هذه السلطات، سرعان ما سنرى أنها تبذل جهدها لاجتذاب أتباعها كأفراد مبعثرين، وتبذل جهداً أكبر للحفاظ عليهم هكذا، فلا تعمل على تعزيز روح الجماعة وفكرة العمل الجماعي المتكامل المنسجم. هذه السلطات بمجملها غير قادرة وغير مستعدة لإنشاء فرقة دبكة، بشرط أن لا ينفرط عقدها سريعاً، وأن تكون حقاً من ضمن وعي ومشروع لتعزيز العمل الجماعي.

المقارنة تصحّ إذا استرجعنا مثالاً آخر هو فرقة كركلا اللبنانية، بل حتى إذا تذكرنا فرقة ومشروعاً متواضعين كفرقة ميراج الأردنية، لنرى حجماً أكبر للمصيبة السورية إذا استرجعنا فرقاً وتجارب مصرية، بدءاً من فرقة الموسيقا العربية مروراً بفرقة “رضا” وصولاً إلى “طبلة الست”. وقد شاهد السوريون خلال عقود عبر الشاشة المحلية تلك الفرق التي تُستضاف وتُمدَح، من دون أن يكون هناك سؤال عمّا يمنع وجود فرق ومشاريع سورية شبيهة، مع أن المواهب والكفاءات الفردية لم تتوقف عن الولادة، وإن قُتل بعضها وضُيِّق على البعض الآخر.

لدى قلة ممن اعتبروا أنفسهم نخبة كان السؤال وارداً، والإجابة في المتناول، فسلطة الأسد فعلت كل ما أمكنها لدحض روح الجماعة، ومنعت المبادرات الجماعية والمجتمعية منعاً باتاً. وعندما ستبرز هذه المشكلة مع المعارضة، منذ عام 2011، لنرى معارضة مشتتة غير قادرة على تقديم نموذج على الاختلاف والتكامل والانسجام معاً، ستأتي الإجابة التي في المتناول: إنها تربية الأسد، ونحن نحصد اليوم آثارها. في السياق ذاته قد لا نعدم الاستسلام والتبرير، من قبيل القول أن أية ثورة لا بد أن تحمل من علل النظام الذي ثارت عليه.

وعلينا ألا ننخدع بما قد نصادفه من عصبوية لدى هذه المجموعة أو تلك، فقد يكون الاجتماع على مصلحة مؤقتة سرعان ما تنقضي، وهذا ليس ذمّاً للمصالح وما تجمعه، هو مجرد تفريق لها عن مفهوم “المشروع” السياسي أو الفني…إلخ. وقد نصادف عصبوية موجَّهة إلى الغير، بمعنى أنها لا تعكس انسجاماً داخلياً؛ إنها فقط روح العصبة التي تُستفز عندما تستشعر نقداً آتياً من الخارج تفهمه تهجماً، وهذه أيضاً مؤقتة لارتباطها باستشعار الخطر من الغير، وإن كنا نراها قديمة وبعيدة الأمد لدى أعضاء في أحزاب انفرط عقدها، وبقيت منه فقط تلك العصبوية.

نعني بالعصبوية تلك الرابطة التي تظهر قوية، من دون أن تكون كذلك داخلياً، ومن دون أن تقوى بمشروع تشاركي حقيقي. هي رابطة حديثة شكلاً، وفي المضمون هي أقرب إلى الأسرية أو العشائرية، والتي يصبح الدفاع عنها وفق منطق “الفَزْعة”، أو الدفاع عن ابن الأسرة أو العشيرة الذي يعتبر بنرجسية جزءاً من الذات. في كل الأحوال، هو ليس دفاعاً عن مشروع، حتى إذا قدّم نفسه نوعاً من الوفاء لمشروع مضى كما هو حال أيتام بعض “الأحزاب”.

لدينا سجل من الفشل على صعيد المحاولات الجماعية، وما يبدأ تشاركياً إما أن يتعزز عصبوياً على النحو الذي أشرنا إليه، أو تتفوق فيه عوامل الاختلاف، فيفشل وينتهي مع تقاذف الاتهامات، بما فيها الاتهامات المتبادلة بعدم تحلّي الآخرين بروح الجماعة. يكاد يكون النموذج السوري الأشهر هو ذلك التجمع الذي ينقسم إلى تجمعات أصغر يدّعي كل منها أنه الأكثر أصالة ووفاء للقيم التي بُني عليها التجمع الأم، ويندر أن يكتسب أيٌّ منها أنصاراً جدد، لتكون التجمعات الأصغر مهددة بانسحابات جديدة وصولاً إلى التلاشي.

وإذا كان العمل الجماعي، ومن ضمنه السياسة، قائم على التوازن بين “الفرد من أجل المجموعة” و”المجموعة من أجل الفرد”، فإن الشائع والهدف سورياً هو “الفرد على حساب المجموعة” وسط تنافس وتهافت شرس على الفرص وعلى إثبات الذوات المقموعة. لم يغيّر اللجوء إلى الغرب من عقلية “الندرة” هذه، وكأن اجتماع السوريين في أي مكان يعيدهم تلقائياً إلى ما نشأوا عليه معاً. ولم تغيّر الوفرة بعد عام 2011، إذا أخذنا في الحسبان الأموال الهائلة التي حصل عليها أشخاص ومنظمات صغيرة باسم الثورة من الممولين، بقدر ما ساهمت الوفرة في إظهار كافة المساوئ وشراسة الأطماع الأنانية حتى اتُّهم الممولون بإفساد السوريين!

ليس هناك فرقة ميّاس سورية؛ هذه الجملة الخبرية المتواضعة قد تشرح جانباً مهماً من الفشل السوري الراهن، ولسنا متشائمين إذا رأينا الأفق مسدوداً، وإذا رأينا الفشل يستدعي المزيد منه حتى الآن. مع ذلك، الفشل ليس قدراً، أو يمكن تغييره في حال كان قدراً، إذا ارتقت المعارضة إلى تعلم الرقص الجماعي من ميّاس أو غيرها.

المصدر :
المدن

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
//whairtoa.com/4/5190373