تابعوا قناتنا على التلغرام
منوعات

أن تُحَبَّ يعني أن تُعرَّف !

ثمة شيء عذب للغاية في فضول أحدهم تجاهك. رغبة شخص ما في تعلم كل تفصيل غير مهم عنك وعن كيفية سير أمورك. لماذا تفضل هذا المطعم على ذاك؟ ما هو مستوى الصوت الذي تضبط عليه تلفازك؟ كيف حصلت على تلك الندبة؟ وما هو رأيك في الزيتون؟
أن تُحَبَّ يعني أن تُعرَف.
أعرف أن جدي لا يحب المعكرونة، وأنه يفضل حل ألغاز “السودوكو” بقلم حبر لا قلم رصاص. وأعرف أن جدتي تحب تشغيل المذياع أثناء الطبخ، وأنها تدون درجة حرارة اليوم في التقويم، وتتصل بابنة عمها في تمام الساعة الحادية عشرة من كل يوم.
أعرف أن والدي يلف يده للداخل قليلاً عندما ينام. وأن والدتي لا تضع الزبدة على خبزها. وأن خالة صديقتي هي من أهدتها ذلك العقد الذهبي الذي لا تخلعه أبداً، وأنها تصاب بصداع إذا ربطت شعرها بشدة لفترة طويلة.
سمعت في مكان ما أنك لو تمكنت من رؤية شخص ما في أكثر لحظاته خصوصية وضعفاً —لو استطعت رؤية كل الأشياء الصغيرة التي يبتسم أو يبكي أو يقلق لأجلها— فلن يكون بمقدورك ألا تحبه. لن تستطيع ألا تهتم به ولو بأقل قدر ممكن. وهذا هو السبب الذي يجعلنا أحياناً نتعاطف مع “أشرار” الأفلام؛ فنحن ندرك إنسانيتهم في تلك التفاصيل الهادئة ونقاط الضعف.
هنا تكمن الألفة الحقيقية.
أن تعرف لماذا تململ أحدهم في مقعده أثناء مشهد سينمائي. أن تعرف أنه لا يستطيع أكل الكثير من اللوز، وأنه يلوذ بالصمت عندما يزعجه شيء ما. أن تعرف أنه يعبث بقرطه الأيسر حين يتوتر، أو أنه يجد صعوبة في النوم قبل المناسبات الهامة.
لطالما اعتقدت أنني أريد الحب من النظرة الأولى، تلك اللحظة التي يشبه وقعها صاعقة البرق، أريد القدر. لكن ما أدركته هو أن القدر ليس رومانسياً تماماً؛ فالقدر يلغي “الاختيار” من المعادلة. أما الرومانسية الحقيقية، فهي أن تختار شخصاً ما عن عمد، وأنت مدرك تماماً لنقاط قوته وطباعه وعيوبه.
أن يعرفك أحدهم تمام المعرفة ويقول: نعم، أنا أحبك لأنني أعرفك.
ولكن لكي يصل شخص ما إلى تلك النقطة، عليك أن تسمح له بذلك —عليّ أنا أن أسمح لهم. إذا كنت تريد أن تُحَبَّ بعمق، سواء كان حباً أخوياً أو رومانسياً، فعليك أن تسمح لنفسك بأن تُعرَف بعمق. وهذا أمر مخيف. الانفتاح وإظهار الضعف قد يكون صعباً جداً، حتى مع أقرب الناس إليك. يتطلب الأمر ألا تمنع أحداً عندما يمد يده لفتح خزانة أسرارك حيث تخبئ كل فوضاك. يتطلب منك أن تقول: “هذا أنا، وهذا كل ما لدي”، وتكتفي بالأمل.
تأمل أن يعاملوا ذلك برقة. تأمل ألا يثير ذلك ضحكهم، أو يدفعهم للرحيل.
لأن هناك مخاطرة برحيلهم. هناك مخاطرة بأن تضع كل أوراقك على الطاولة ولا تكون كافية، أو تكون أكثر مما ينبغي، أو غريبة جداً، أو ليست النوع المطلوب.
يتطلب الأمر منك الاستسلام. أن تثق بأن ما أنت عليه في لحظات الحياة المملة والمحرجة والمخيفة هو أمر مقبول. وأن ما تراه أنت ضخماً وسبباً لإنهاء العلاقة، يراه الطرف الآخر محبباً أو يمكن التعامل معه.
وحقاً، لا يوجد شيء أفضل من ذلك.
الإعجاب هو مجرد “نقص في المعلومات”. وأظن أن هذا هو بالضبط ما يجعله مثيراً ومخيفاً في آن واحد. فعندما تبدأ قاعدة البيانات في النمو، فإما أن تتطور الأمور أو تتبدد.
> “إنه يحب التاريخ. أراد أن يكتب سيرة ذاتية عن جون كوينسي آدامز. وبخجل، لم أكن أعرف شيئاً تقريباً عن جون كوينسي آدامز، فذهبت إلى الإنترنت واشتريت كل سيرة ذاتية وجدتها عنه. ذات يوم، اتصل بي مدعياً أن علاقتنا لن تنجح على المدى الطويل، قال إنه يحبني ولكن اهتماماتنا مختلفة. قلت له: ‘ماذا يعني الحب بالنسبة لك؟’. أجاب: ‘هذا سؤال مستحيل’. أما أنا، فأجد الحب بسيطاً جداً. الحب هو كومة السير الذاتية الموجودة على طاولتي بجانب السرير، مع فاصل كتاب بالقرب من النهاية” — جوليا نيكول كامب.
 
يميل الناس إلى الذوبان في حيواتنا. نستمع إليهم وهم يتحدثون بإسهاب عن شيء مهووسين به، وحتى لو لم نشاركهم الحماس نفسه، نجد أنفسنا فجأة ننتبه لأي خبر يذكر ذلك الشيء. نسمع أغنية يحبونها في المذياع فننصت إليها بصدق. نشتري الكيوي من المتجر رغم أننا لم نفكر في شرائه منذ سنوات، فقط لأنهم ذكروا أنهم يشتهونه.
الحب يغير ما نمنحه انتباهنا. نبدأ بملاحظة الأشياء التي يهتمون بها لأننا نهتم بهم. نتعلم أشياء سنظل نعرفها حتى لو انتهى بنا المطاف متباعدين.
بطاقة بريدية عليها صور ليمون — سيعجبهم ذلك. سترة براقة في متجر ملابس — ستناسبهم تماماً. مقال عن الزراعة العضوية — هذا يقع تماماً في دائرة اهتمامهم.
أعتقد أن الحب هو أن تشعر بالإحباط من شخص ما مراراً وتكراراً، ومع ذلك تريد دائماً العودة إليه. هو أن تكون فضولياً بشأن من قد يكونونه اليوم، مع استمرار تذكر من كانوا عليه بالأمس. هو الاطمئنان إلى حقيقة أنه حتى في أكثر الأيام فوضى، لا يزالون يريدون معرفتك، وأنت كذلك.
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى