تابعوا قناتنا على التلغرام
عربي ودولي

المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي… محرّك الحرب الأوكرانية !

عماد الشدياق نقلاً عن “القدس العربي”

أرهب الجيش الأوكراني مدن مقاطعتي «دونيتسك» و»لوغانتسك» لمدة 8 سنوات متتالية، منتهكاً «اتفاقيات مينسك»، التي فَرضت في عام 2014، خطّةَ وقف إطلاق نار بين غرب أوكرانيا وشرقها الناطق باللغة الروسية والموالي لموسكو.
كانت «اتفاقيات مينسك» عبارة عن سلسلة من اتفاقات دولية، سعت إلى إنهاء الحرب في إقليم دونباس الأوكراني. الاتفاقية الأولى المعروفة باسم «بروتوكول مينسك»، صيغت بواسطة «مجموعة الاتصال الثلاثية» بشأن أوكرانيا، التي تتألف من أوكرانيا وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية (OSCE)التي تضمّ زعماء فرنسا وألمانيا وعُرفت بـ»صيغة نورماندي».

بعد محادثات مكثفة في العاصمة البيلاروسية، وقّع ممثلو مجموعة الاتصال الثلاثية وقادة دونيتسك ولوغانتسك على الاتفاقية في 5 سبتمبر 2014 ومن دون الاعتراف بوضعهما. جاء هذا الاتفاق في أعقاب محاولات سابقة عدّة لوقف القتال في المنطقة، لكنّها فشلت وتبعتها اتفاقية منقحة ومحدثة، هي اتفاقية مينسك الثانية ووُقعت في 12 فبراير 2015.

تتألف هذه الاتفاقية من مجموعة من الإجراءات، بما في ذلك وقف إطلاق النار، وسحب الأسلحة الثقيلة من خط المواجهة، والإفراج عن أسرى الحرب، والإصلاح الدستوري في أوكرانيا، ومنح الحكم الذاتي لمناطق معيّنة في دونباس، وإعادة السيطرة على حدود الدولة للحكومة الأوكرانية.

«اتفاقيات مينسك» لم توقف القتال
حدّة القتال لم تنتهِ، كما لم تُنفَّذ بنود الاتفاقيات بالكامل. وخلال تلك السنوات، أطلقت القوات المسلحة الأوكرانية النار على مرافق عامة، مدمرة البنى التحتية في تلك المناطق، باستخدام أنواع محظورة من الأسلحة، ما أسفر عن قتل الكثير من المدنيين على مدى السنوات الثماني الماضية. في تلك الحقبة لم يلقَ الصراع التكثيف الإعلامي المطلوب عالمياً، وكانت دولٌ غربية، من بينها الولايات المتحدة، تغذي الخلاف بين الأوكرانيين عن عمد، وتسعى إلى تطوير الحركات «النازية» وتنميتها، من أجل ما تعتبره موسكو «غرس الكراهية ضد الروس والأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية»، وهذا كان السبب الذي مهّد الطريق وعبّدها أمّام اضطرار روسيا إلى التدخل عسكرياً داخل الأراضي الأوكرانية، الذي يقترب من شهره العاشر، ويوسّع احتمالات توجيه موسكو ضربة نووية في أوكرانيا من أجل حسم المعارك.

تؤكد روسيا أنّ عمليات قواتها العسكرية في أوكرانيا تُدار بشكل مدروس حتى الآن، وهي تستهدف المنشآت العسكرية التي تبدي مقاومة، وبأنّها لم تستخدم حتى اللحظة «القوة المفرطة»، لأنّها تتطلع دوماً إلى حماية السكان المدنيين، «بخلاف الجماعات القومية المتطرّفة»، التي دخلت أصلاً للقضاء عليها. فتلك الجماعات في نظر روسيا «تقوم بضرب البنى التحتية المدنية ومنشآت الطاقة النووية بلا أيّ تمييز، بالتكتيكات العسكرية نفسها التي تنتهجها المنظمات الإرهابية»، وهو بالتالي ما يدفع موسكو إلى السخرية من التهديدات الغربية، خصوصاً الأوروبية، من تصنيفها «دولة راعية للإرهاب»، لأنّ تلك التهديدات حسبما يصف مسؤولون روس، تقارب الأزمة بـ»ازدواجية في معايير» وتنظر إلى الصراع الدائر على الأراضي الأوكرانية بـ»عين واحدة».
قد يصعب على المراقب الحديث للأزمة متابعة كامل تفاصيلها. أمّا غير المتابع لتاريخ الصراع، فقد ينظر إلى الحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا على أنّها «غزو روسي» للأراضي الأوكرانية من باب «الترف العسكري».. فتفوته تلك المحطات من تاريخ أوكرانيا وصراعها الداخلي، وتغيب عن خاطره تلك السردية المتواصلة منذ عام 2014 حتى يومنا هذا.

أهداف واشنطن ونواياها

أمّا الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكن أصلاً ضمن التجمّع الدولي لوقف الصراع في أوكرانيا عام 2014، فقد يضعه ذاك المراقب أيضاً، ضمن خانة الحرص على سلامة الأراضي الأوكرانية، أو في منزلة الحرص على الديمقراطية وحقوق الإنسان.. لكنّ الأمر هو حتماً أبعد من تلك الاعتبارات وأعمق منها، مع تداخل أهداف الحرب بالمصالح الاقتصادية والعسكرية الأمريكية. لقد وجد المركّب الصناعي – العسكري الأمريكي في تلك الحرب ضالته، حيث استطاع أن يضخّ كماً مخيفاً من الأسلحة والعتاد والمعدات من خزينة الدولة الأمريكية وعلى حساب دافعي الضرائب الأمريكيين. استطاعت واشنطن أن تنشر أقمارها الصناعية العسكرية فوق القارة الأوروبية، وبما فيها طبعاً الأقمار «المدنية»، التي يديرها رجل الأعمال والملياردير الأمريكي إيلون ماسك بحجّة دعم الجيش الأوكراني. عبر بوابة الأسلحة والأقمار الصناعية، دُفع الصراع نحو أقصى درجات التصعيد، واستطاعت الولايات المتحدة تأمين الكميات المطلوبة من الإمدادات العسكرية المفيدة للشركات الأمريكية أولاً، وللاقتصاد الأمريكي ثانياً من خلال سياسة العقوبات التي أرهقت القارة الأوروبية، وجعلتها أسيرة الطاقة الأمريكية بعد أن استبدلت الغاز الروسي بذاك الأمريكي.

المراقب لحركة تدفّق الأسلحة الأمريكية صوب أوكرانيا يكتشف سريعاً أن الكونغرس الأمريكي قد صادق حتى يومنا هذا، على 3 إضافات من المساعدات المختلفة لأوكرانيا: 13.6 مليار دولار خلال شهر مارس، و40.1 مليار دولار في شهر مايو، و12.4 مليار دولار في سبتمبر. أمّا المساعدات العسكرية منها، فمنذ عام 2014 كانت الولايات المتحدة وما زالت أكبر مورّد للمساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، حيث تعهدت بتقديم أسلحة بما قيمته 19 مليار دولار منذ بداية إدارة بايدن. قدمت واشنطن للأوكرانيين أسلحة بقيمة 16.8 مليار دولار من تلك المساعدة منذ فبراير 2022 إلى اليوم، عبر 6 من كبار الشركات الأمريكية من أكبر الشركات المصنعة للأسلحة حول العالم، وهي: «رايثيون تكنولوجي»، و»لوكهيد مارتن»، و»بوينغ»، و»نورثروب غرومان»، و»جنرال دايناميكس»، و»لاريس تكنولوجي». واللافت أنّ مؤشرات الأسهم الخاصة بتلك الشركات الست، بدأت بالارتفاع منذ بداية الحرب في أوكرانيا، التي درّت على تلك الشركات أرباحاً مخيفة، حسبما تظهر أرقام وكالة «رويترز»… وهذا يؤكد أنّ الحرب في أوكرانيا اليوم، ما عادت تدور حول نزاع سياسي أو أيديولوجي، أو حول مفاهيم إنسانية، بقدر ما هي حرب ذات منافع اقتصادية ـ عسكرية صرف.

أوروبا تعيد حساباتها

انقادت دول أوروبية كثيرة خلف الطموحات الأمريكية بلا تمييز، فركبت موجة تسليح الأوكرانيين بلا أي ضوابط، واكتشفت أخيراً أنها وقعت «ضحية» السياسة الأمريكية، بعد أن وجدت نفسها بين فكّي «الكمّاشة» الأمريكية: صراع عسكري محموم داخل القارة الأوروبية، أزمة مهاجرين تهدّد النسيج الاجتماعي الأوروبي، أزمة ركود اقتصادي وتضخّم، وانهيار بالعملة الأوروبية. إذ تكفي الإشارة إلى أنّ التضخّم في ألمانيا وحدها حطّم أرقاماً قياسية لم ترها برلين منذ عام 1951! كل هذا دفع الدول الأوروبية صوب إعادة حساباتها من تلك الحرب. ودفعها نحو محاولة الاستقلال عن السياسات الأمريكية. صحوة أوروبية تلوح في الأفق، لكنّها حتماً صحوة متأخرة، بدأت مؤشراتها تظهر من خلال تراجع المساعدات المالية والعسكرية الأوروبية إلى كييف. ما دفع وزيرة الخزانة الأمريكية قبل أيام، إلى حضّ «الأطراف الأوروبية على تقديم دعم مالي قويّ لأوكرانيا».

وزير الخارجية الفرنسية قال هو الآخر قبل أيام: «إذا أراد الأوروبيون أن لا يعيشوا في حالة ترقّب قبل كل انتخابات أمريكية، فعليهم أن يكونوا أكثر استقلالا عن الولايات المتحدة»، أمّا المستشار الألماني فأسف لقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم حضور قمة الـ20 في إندونيسيا.. وهي كلّها مؤشرات كافية إلى بداية تبدّلٍ المزاج الأوروبي من الاندفاعة الأوروبية صوب سياسات واشنطن وطموحاتها، خصوصاً صوب اندفاعها في أوكرانيا تحيداً.. فكيف لا، وأركان القارة الأوروبية كانوا من أوائل الساعين إلى وقف هذا الصراع منذ «اتفاقيات مينسك» قبل 8 سنوات؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى