تابعوا قناتنا على التلغرام
محلياتمقالات القراء

هل تقسو الصيفية على اللبنانيين كما فعل شتاؤهم؟

لا يختلف اثنان على ان الشتوية التي مرّت على لبنان هذا العام كانت من أقسى الشتويات وحمّلت اللبنانيين فوق طاقتهم برداً وثلجاً وجليداً في ظل صقيع مالي انخفضت برودته الى ما دون دون الصفر عند الكثير من العائلات. ولكن إذا استطاع الشعب العنيد ان يصمد في وجه البرد وغلاء المازوت ووسائط التدفئة هل سيتمكن من مواجهة الصيفية بلا «خرجية» للعطلة والبحر والمشاوير ولا كهرباء للتكييف والتبريد وسهرات الشرفات.

في ما مضى كان يقال إن بساط الصيف واسع لكن الأزمات المتعددة سحبت البساط من تحت أقدام اللبنانيين وتركتهم في هذا الصيف حفاة يقلّعون أشواك الصيف بأيديهم. متطلبات الصيفية للقاطنين في البلد البائس كثيرة وقد بدأت معالمها تتضح مع أولى موجات الحر التي اجتاحت لبنان وهي حتماً لا تشبه الصيف السياحي الواعد الذي بدأ أهل السياسة والسياحة يبشّرون به. فمن يواجه الصيف بالليرة غير من يواجهه بالدولار ومن ضاقت به الأحوال وضاق خلقه من فيض المشاكل غير القادم للاسترخاء والاستجمام وتغيير المزاج في ربوع الوطن الحبيب، وبعد حرارة الانتخابات هل يتبقى للبنانيين من «حيل» للتصدي لحر الصيف؟

الوعود باستجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر والفيول من العراق لزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي في الأشهر المقبلة لا تزال حبراً على ورق ولم تدخل لأسباب متعددة حيز التنفيذ بعد لتبرّد قلب اللبنانيين وبيوتهم هذا الصيف، ويرجح ان تبقى أزمة الكهرباء على حالها ويستمر تقنين المولدات وارتفاع تسعيرتها الشهرية، وتجمع أصحاب المولدات الذي يلتزم الصمت التام حتى ما بعد الانتخابات سيعود الى رفع الصوت بعدها كما يقول عبدو سعادة رئيس التجمع للتحذير من تكرار ما حدث في الصيف الماضي من تقنين حاد وارتفاع جنوني في التعرفة خاصة إن لم تتم زيادة ساعات التغذية.

إذاً الأوضاع الكهربائية لا تبشر بالخير والمواطن المزعوج أصلاً و»الضايق خلقه» من كل ما حوله لن يستطيع أن ينعم ببرودة المكيف التي ستحجبها نار كلفته ولن يحظى بليلة نوم هانئة وان قرر تحدي غلاء التعرفة لأن معظم أصحاب المولدات قرروا إطفاءها بعيد منتصف الليل ليبيت الشعب كما الدجاج باكراً في الليالي الصيفية الحارة ويحارب وحيداً مثل دون كيشوت فلول البرغش التي تجتاح غرفته دون رادع. فالبلديات التي اعتادت مع بداية كل صيف رش المبيدات في القرى والمرور في الأحياء السكنية لرش المازوت «المبوخر» غضت النظر منذ الصيف الماضي وبعد ارتفاع سعر المازوت عن هذا الإجراء الحيوي تاركة للبرغش أن يتكاثر ويتحول الى مشكلة لاسعة في ليل المواطن اللبناني الطويل. وكما الكهرباء كذلك الماء العنصر الحيوي في الصيف مهدد بشح قوي لا لأسباب طبيعية فالسماء أنعمت على لبنان بكميات كافية ووافية من المطر بل لإن إيصالها الى البيوت بات يتم جراً وبحكم الجاذبية لا ضخاً بمضخات تعمل على المازوت وبذلك بات وصولها الى المنازل مسألة فيها نظر لا سيما مع تقدم أشهر الصيف وبدء موسم الشحائح.

لكن يبدو ان الرب سيترأف بأهل لبنان أكثر من مسؤوليهم ويمنحهم صيفاً معتدلاً رطباً وفق ما يقول الخبير في الأرصاد الجوية الأب إيلي خنيصر. فهذه السنة رغم كونها ستشهد بعض الهبات المدارية الحارة في اوقات متفرقة من الصيف وفقاً لحركة التيارات المدارية الصحراوية ترفع من درجات الحرارة لا سيما في المناطق الداخلية البقاعية، إلا أن الحرارة بشكل عام تكون معتدلة. لكن المشكلة تكمن في ارتفاع الرطوبة التي تعطي إحساساً بالاختناق حتى مع عدم وجود درجات حرارة عالية جداً تفوق 35 درجة. فالرطوبة التي تشهدها المناطق الساحلية تسبب التعرق والاحساس باختناق وهو ما يجعل الإنسان بحاجة للجلوس في مكان مكيف فيما في المناطق الداخلية قد تكون درجات الحرارة أعلى لكن الرطوبة أخف فيتنفس المرء نتيجة ذلك هواءً ساخناً أما في الجبال فتختلف الحال بحسب تمركز الرطوبة فوقها. شهد لبنان في الصيف الماضي اقوى موجة حر في أواخر أيار واول اسبوع من حزيران وتكررت الموجة في اواخر حزيران وقد يشهد هذا العام موجة حارة مشابهة بسبب تأثر المناطق المدارية الحارة وسقوط أشعة الشمس عليها بشكل عمودي ابتداءً من أول حزيران ولكن يكرر الأب خنيصر أن الصيف لن يكون بقساوة الشتاء الذي انهك اللبنانيين نفسياً وصحياً ومادياً.

وإذا كان الصيف وفق عاداتنا اللبنانية «ضيف وكيف» فالضيف هذه السنة ثقيل ومكلف والكيف يحتاج الى ميزانية لا تتوافر في معظم الجيوب. هو صيف واعد كما يؤكد نقباء القطاعات السياحية لكل من يود أن يسمع والحجوزات على رحلات الطيران كما في الفنادق توحي بالخير لا سيما إن تم إلغاء قرارات منع السفر الى لبنان بالنسبة للخليجيين، والمغتربون ككل سنة ينتظرون الصيف «للنزول» الى لبنان مهما تكن أوضاعه. ولكن ماذا عن اللبنانيين الذين يستقبلون ضيوفهم، أهلاً وأقارب وأبناء، باللحم الحي رغم دولاراتهم التي ينفقونها على أرض الوطن، كيف يؤمنون لهم أبسط احتياجاتهم: مياه الاستحمام، الغرف المكيفة، كهرباء للمصعد، بوليصة تأمين للسيارة المتوقفة منذ مغادرتهم، ترويقة الكنافة صباحاً أو حتى المناقيش ومشاوي أيام الآحاد… وكيف يتحملون هم الذين صارت حياتهم معاناة يومية ويحتاجون لمن يرفّه عنهم و يشيلهم على الراحات أن يصبحوا في خدمة الزائرين والضيوف وإن كانوا أعزاء، وأن يتحملوا تذمّرهم مع كل «قَطعة» للكهرباء او انقطاع للمياه…

صيف وكَيف

وماذا عن « الكيف» الذي لا يحلو الصيف من دونه. ماذا عن السياحة الداخلية في جبال لبنان وقراه ومناطقه البعيدة؟ من يجرؤ بعد على الصعود بالسيارة الى العاصي في مشوار ترفيهي او زيارة حاصبيا او مرجعيون وراشيا الفخار للتعرف الى معالمها؟ ومن من اللبنانيين لا يزال قادراً على «تفويل سيارته» لتناول الغداء في إهدن او تمضية عطلة نهاية الأسبوع في القبيات او خربة قنافار؟ ألف حساب ستحسب العائلة قبل أن تقرر «شم الهوا» في مشوار باتت كلفته تتجاوز المليون هذا إن احتسبنا البنزين فقط من احتساب كلفة الطعام والشراب ومتطلبات الصغار… حتى البطيخ فاكهة الصيف بامتياز قد يتجاوز سعر الرأس منه 200000 وقد يهجر موائد العائلات ومشواريهم الصيفية.

وحده البحر يبقى أمامهم وكلفة الوصول إليه بالمسافة أقل من أي مشوار آخر، ولكن هنا أيضاً يصطدم صيف اللبنانيين بأسعار المسابح والمنتجعات السياحية. إيجار الكابينات التي اعتاد رواد الشواطئ استئجارها تتراوح بين 600 و 1200 دولار في الموسم أما إيجار الشاليهات الصغيرة فيترواح ما بين 4000 و 7000 دولار في الموسم. ومع شبه اختفاء تام للشواطئ العامة فإن أسعار الدخول الى المسابح الخاصة لا تنفك ترتفع مع كل صيفية وترتفع معها كل الأسعار في الداخل من قنينة المشروبات الغازية الى سندويش الطاووق والبرغر وتوابعهما وبحسب جولة سابقة لنداء الوطن على المسابح يتوقع ان تكون أسعار الدخول إلى «البلاجات» البحرية الكسروانية بين 300 و 400 الف ليرة للشخص في حين قد تكون أقل بقليل شمالاً وقد تصل الى حدود 60000 في بعض المسابح التي تصنف نفسها خمس نجوم….

و إذا كانت مشاوير الداخل مكلفة وصعبة فالسفر هذا الصيف يكاد يصبح حلماً بعيد المنال لا سيما مع احتباس جوازات السفر ومنعها عن المواطنين إلا للضرورات القصوى. «الكزدرة» والتفسّح والسياحة ممنوعة لأن الدولة غير قادرة على تحمل تكلفة طبع جوازات سفر جديدة وليبق اللبنانيون في جهنم صابرين مرغمين.

رغم هذه الصورة القاتمة التي تتوقف درجة قتامتها على نتائج الانتخابات النيابية فما إن يطل الصيف برأسه حتى «ينفصم» اللبناني وينسى كل مصائبه او يضعها جانباً على الأقل ليردد مع فيروز «صيّف يا صيف ع جبهة حبيبي، لوّح يا سيف رجعتنا قريبي…».

المصدر :

نداء الوطن.

Nour
Author: Nour

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى