تابعوا قناتنا على التلغرام
مقالات مختارة

روسيا تحقق في القوقاز ما عجز عنه الغرب

سامر زريق نقلاً عن “إيلاف”

في 19 نيسان (أبريل) الماضي، اجتمع ممثلو أرمينيا وأذربيجان لترسيم الحدود بينهما بشكل رسمي ومستدام. وأشارت تقارير إعلامية الى أن فرق عمل من كلا البلدين باشرت بوضع علامات خراسانية لتثبيت الحدود. وهذا ما يمهد الطريق أمام إبرام مصالحة تاريخية تنهي النزاع بين البلدين الجارين في جنوب القوقاز، وتفتح المجال أمام استقرار طويل الأمد في منطقة ظلت ملتهبة لعقود.

والحال أنَّ عملية إرساء السلام والاستقرار في القوقاز ما كانت لتمضي على طريق النجاح لولا الجهود الروسية، حيث ترتبط موسكو بعلاقات تاريخية مع شعوب المنطقة، مكنتها من القيام بوساطة ناجحة، على عكس الغرب، الذي كان يصر على ترسيخ الانقسامات بين دول المنطقة، وتعميق الهوة بين شعوبها لتحقيق مصالحه.

دعم غربي خجول مقارنة بروسيا
وكانت أرمينيا قد وافقت على إعادة أربع قرى حدودية مهجورة من سكانها إلى أذربيجان. كذلك، أعلن رئيس لجنة العلاقات العامة في البرلمان الأرميني، سركيس خنديان، أنَّ أرمينيا “توصلت إلى اتفاق مع أذربيجان لترسيم الحدود بشكل نهائي وفقاً لـ’اتفاق ألماتا’ سنة 1991، والذي يعيد الحدود إلى الشكل الذي كانت عليه في العهد السوفياتي”.

واعتبر رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن عملية ترسيم الحدود “إشارة سلام بين أرمينيا وأذربيجان، وستنتج تغييراً مهماً في العلاقات بين البلدين”. في حين قال الرئيس الآذري إلهام علييف أن “السلام مع أرمينيا هو أقرب من أي وقت”. وأكد علييف أن الفضل في هذا التطور التاريخي يعود للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي “لولاه لكان الوضع مختلفاً تماماً في قره باغ اليوم”.

وهذا ما يمثل نجاحاً مزدوجاً لروسيا، حيث نجحت في تحقيق ما فشلت في تحقيقه أميركا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، فضلاً عن عودة الحيوية إلى العلاقات التاريخية مع يريفان، بعد فترة من الانقياد للمغريات الغربية، ظناً من نخبها السياسية أنَّ ترياق الأزمات التي تعاني منها البلاد في يد أميركا والغرب. إذ ذاك اندفعت أرمينيا للمشاركة في مناورات عسكرية مع أميركا، وذهبت إلى مؤتمر بروكسل للحصول على مساعدات مالية، لكنها أصيبت بخيبة أمل كبرى.

يبين الباحث الاستراتيجي رولاند بيجاموف أن “رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان فشل في الاجتماع الذي عقد في بروكسل في الحصول على دعم مالي وازن وفق ما كان يأمل، وكان جل ما حصل عليه 270 مليون يورو كاستثمارات من قبل الاتحاد الأوروبي، بالإضافة الى 67 مليون دولار من أميركا”. ويكشف بيجاموف أن كل هذا المبلغ “يشكل أقل من 1 بالمئة مما تحصل عليه يريفان من موسكو، حيث تتلقى فعلياً قرابة 14 مليار دولار سنوياً، من خلال التحويلات النقدية والدعم بمصادر الطاقة والوقود، وعمليات التصدير وغيرها”.

تقويض الوساطة الروسية
وكانت روسيا قادت عملية وساطة بين الطرفين الأرميني والآذري، غداة العملية العسكرية التي أطلقها الجيش الآذري في 27 أيلول (سبتمبر) 2020، ونجحت في التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) عقب 44 يوماً من المعارك، ينص على استعادة باكو السيطرة على المحافظات التي خسرتها في حرب “قره باغ” الأولى التي اندلعت عام 1922 (نحو 20 بالمئة من أراضيها)، مقابل البدء بمحادثات بين أذربيجان وأرمينيا لترسيم الحدود، وتثبيت السلام، فضلاً عن نشر القوات الروسية لمراقبة تطبيق الاتفاق.

بيد أن التحريض الغربي المستمر لأرمينيا، عرقل تطبيق الاتفاق بعض الشيء، حيث حضر العديد من المسؤولين في الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الغربية إلى يريفان، وعملوا على تسعير النزاع مرة جديدة. وظهر تناغم مستجد بين أرمينيا وأميركا كان الباعث عليه إيلاء موسكو أهمية لإقامة علاقات متوازنة مع جميع الأطراف في المنطقة، فيما المؤسسة السياسية الأرمينية تريد دعماً روسياً أحادياً لها على حساب جيرانها.

في كانون الأول (ديسمبر) 2020، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال مؤتمر صحفي، كلاً من أميركا وفرنسا والاتحاد الأوروبي بـ”دفن مجموعة مينسك، لأنهم يرفضون التعاون مع روسيا بأي شكل من الأشكال”. ومجموعة “مينسك” أنشأت بقرار من “منظمة الأمن والتعاون الأوروبي” عام 1992، بهدف التوصل إلى حل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، وتضم 17 دولة، برئاسة ثلاثية مشتركة بين روسيا وأميركا وفرنسا. لكن هذه المجموعة عجزت طوال أكثر من ثلاثة عقود عن التوصل إلى حل نهائي، بفعل تضارب المصالح بين الدول الغربية.

وبالنتيجة فإنَّ العراقيل الغربية المستمرة دفعت باكو إلى القيام بعملية عسكرية محدودة في 19 أيلول (سبتمبر) الماضي. لتدخل موسكو مجدداً على خط الوساطة، وتوقف العملية عقب يوم واحد فقط، مقابل اعتراف يريفان بسلطة باكو على المناطق التي تدخل ضمن “قره باغ”، وحل الجمهورية الأرمينية التي كانت قائمة فيها “ارتساخ” ومؤسساتها مطلع العام الحالي. وانطلقت بعدها الخطوات العملية لثبيت دعائم السلم برعاية روسية.

عودة إلى الإطار الروسي
خلال المؤتمر الصحفي نفسه، فند لافروف جهود الوساطة الروسية، ومساعي الغرب لتقويضها “بعد حرب الـ44 يوماً، وعندما جرى وضع اتفاق لوقف إطلاق النار ضمن إطار جهود الوساطة التي نبذلها، واصلت روسيا مساعدة الجانبين الأرميني والآذري في فتح وسائل النقل والاتصالات الاقتصادية في تلك المنطقة. علاوة على ذلك، اتفقنا على أن روسيا ستساعد الجانبين في ترسيم الحدود، وكذلك في التوصل الى اتفاق حول معاهدة سلام بينهما”.

واستطرد لافروف “حاول كل من الفرنسيين والأميركيين والاتحاد الأوروبي الانخراط في جهود الوساطة، والاستيلاء على الاتفاقات التي توصل إليها الطرفان بمشاركة روسيا، من خلال استضافة بروكسل للجان ترسيم الحدود بين أرمينيا وأذربيجان. لكنها فشلت لأنها لا تملك خرائط دول ما بعد الاتحاد السوفياتي الموجودة فقط في هيئة الأركان العامة الروسية”. وذكر بأنه وفقاً لـ”إعلان ألماتا” الذي عادت المجموعة الأوروبية واستذكرته كإطار لترسيم الحدود ومعاهدة السلام بين أذربيجان وأرمينيا “تشكل جميع الجمهوريات السوفياتية ‘كومنولث الدول المستقلة’، ويؤكد ثبات الحدود التي كانت قائمة بينها في العهد السوفياتي”.

وبالفعل، فقد أفضت الجهود الروسية إلى إطلاق عملية ترسيم الحدود بشكل عملي، ممهدة للبدء بمفاوضات اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا، تنهي أكثر من ثلاثة عقود من النزاع الدموي، أدى الى مقتل وتهجير الآلاف من كلا الطرفين.

Reporter2
Author: Reporter2

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى