تابعوا قناتنا على التلغرام
محليات

السدود المائية في لبنان: سجال علمي سياسي والعطش سيد الموقف !

منذ أيام، تشهد الأوساط العلمية والبيئية نقاشاً حول أولويات السياسة المائية في لبنان، في ظل مشهد انحسار المياه في سد “المسيلحة” (شمال لبنان)، فالسد الذي تحول إلى موقع احتفالي في شهر مارس (آذار) الماضي، تراجعت مستويات المياه فيه لصالح عودة بعض الأنشطة القديمة في محيطه، ولا سيما رعي الماشية، وأعادت هذه الواقعة أحياء ذكرى سد “بريصا” في قضاء الضنية (شمال لبنان) الذي فشلت محاولات “ترقيع أرضيته”، واستمر بتسريب المياه بسبب الشقوق الطبيعية في موقعه، كما تقدم السؤال حول جدوى هذه المشاريع، وعن سبب تجاهل بعض الآراء العلمية التي تدعو إلى التخلي عن سياسة السدود ذات التكاليف المالية العالية والعوائد الضئيلة في لبنان سواء على مستوى إنتاج الطاقة الكهرمائية أو القضاء على العطش.

استراتيجية مائية قائمة على السدود

في عام 2012، أقرّت الحكومة اللبنانية الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه، التي حملت شعار “حق لكل مواطن وثروة لكل الوطن”. وتضمنت الخطة إنشاء وتأهيل مجموعة من السدود والبحيرات، بتمويل من الدولة اللبنانية، والقروض، ومشاركة القطاع الخاص، واعتمدت بشكل عام على السدود في مختلف المناطق اللبنانية، وحددت موازنة تقديرية 859 مليون دولار لمحافظة جبل لبنان، 488 مليون دولار لمحافظة الشمال، و300 مليون دولار لمنطقة الجنوب، و328 مليون دولار محافظة البقاع، وحسب جداول وزارة الطاقة، فإن تكلفة سد “المسيحلة” مقدرة بـ55 مليون دولار، كما تم تخصيص نحو ثلاثة ملايين دولار أميركي لصالح تأهيل سد “بريصا”.

تيار علمي معارض للسدود

منذ اعتماد نهج السدود، برز تيار أكاديمي وعلمي معارض لهذه الاستراتيجية انطلاقاً من الطبيعة الجيولوجية اللبنانية. وأكد سمير زعاطيطي، أكاديمي وخبير هيدروجيولوجي، أن “سياسة السدود هي سياسة قديمة، وأصبحت موضة قديمة، تنطلق من فلسفة مفادها بأن الماء هي مصدر الطاقة الكهربائية – الكهرمائية، واعتمدت في أوروبا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وتم نشرها في المناطق من أجل تخزين المياه وعدم وجود مياه جوفية”، لافتاً إلى أن “الدراسات العلمية كشفت عدم نجاعة هذه السياسة بسبب التكلفة العالية، والعثور على طرق جديدة لتوليد الكهرباء والانتقال إلى الطاقة النووية، والشمسية، والرياح وغيرها”. وأكد انتقاده سوء تنفيذ سلسلة من السدود اللبنانية، لأسباب عديدة البعض منها نابع من طبيعة الطبقات الجيولوجية التي لا تجمع المياه، ومنها ما يرتبط بمسألة القضاء على التنوع البيئي والبيولوجي، ناهيك بالتكلفة العالية وعدم ديمومة الموارد الناجمة عن هذه السياسة.

الضرر أكيد

وتضمنت خطة وزارة الطاقة الإشارة إلى تأهيل بعض السدود والبحيرات، وهذا الأمر يقود إلى التساؤل عن إمكانية استدراك الضرر والخلل البنيوي في بعض السدود التي تعجز عن تخزين المياه. وأسف زعاطيطي إلى أن “الضرر واقع”، و”تم إنفاق مبالغ مالية كبيرة على سياسة السدود، كما أن البيئة تعرضت للخنق نتيجة إزالة الطبقة النباتية والحرجية”، منوهاً، في الوقت نفسه، إلى أن “السدود باتت واقعاً قائماً، وإزالتها تعني مزيداً من الإنفاق المالي غير المجدي”، منتقداً ما يسمى “استراتيجية مائية لأنها لم تُبنَ على حقائق علمية”. ودعا إلى اعتماد بدائل منخفضة التكلفة، تنطلق من الدراسة الهيدروجيولوجية التي عملت عليها البعثة الفرنسية، وخلصت إلى أن “لبنان مخزن المياه في الشرق الأوسط”، إضافة إلى العالم اللبناني إبراهيم عبد العال الذي أكد أن “جبال لبنان هي مخازن جوفية ضخمة للمياه، وأن مياه لبنان لا تجري على سطح الأرض”. ودافع زعاطيطي عن هذا الموقف انطلاقاً من أن “هذه الخزانات الطبيعية الصخرية الجبلية، تغذي 14 نهراً ساحلياً وثلاثة أنهار داخلية: العاصي، والليطاني، والوزاني”، كما أن “البنك الدولي يشير إلى أن هناك بلدين في الشرق الأوسط، يمتلكان مياهاً تفوق حاجاتهما هما لبنان وتركيا”. وبحسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية، يمتلك لبنان ثلاثة مليارات متر مكعب من المياه المخزنة في الصخور والجبال، وتتجدد سنوياً بصورة دائمة، كما أن “هناك 1.3 مليار متر من المياه الجارية أكثرها عرضة للتلوث، وهذه الحصة التي تنصب جهود السياسة المائية للوزارة عليها، وهو خيار غير علمي ذو انعكاسات بيئية خطيرة بسبب تشويه الوديان والأحراج من أجل بناء سدود، ويتضمن المزيد من الهدر لموارد البلاد المالية”.

وطالب زعاطيطي بوقف سياسة بناء السدود المركزية العملاقة، واستبدال سياسة مائية بها تعتمد على إقامة آبار محلية على غرار ما تم اعتماده في جنوب لبنان، لأن التنمية تتجه لاعتماد المشاريع الصغيرة لاستخراج المياه الجوفية.

خطر بيئي حقيقي

وانتقد الناشط البيئي بول أبي راشد سياسة السدود في لبنان، التي تتم إقامتها في الوديان الخضراء، وعلى ملايين الأمتار المربعة وعلى حساب الأراضي الزراعية والغابات، لافتاً إلى أننا في عالم يتجه نحو التصحر والتغير المناخي الخطير. أضاف، “كل شجرة هي منقذ ومساعد في تخزين المياه وتركيز الكربون وتعديل المناخ”، لذلك “أدعو إلى دراسة بدائل السدود قبل التفكير بإنشائها”.

وفي سياق الحراك الشعبي والبيئي في لبنان، شكل إيقاف إقامة سد في “مرج بسري” (جنوب بيروت) أحد الانتصارات الخضراء. وأشار أبي راشد إلى أن “سد بسري هو أكبر السدود المطروحة في لبنان اليوم. يمتد على ستة ملايين متر مربع من الغابات والسهول الزراعية والآثار”، لافتاً إلى “خطر كبير بسبب وجود فالق زلزالي تحت الخزان متصل بفالق روم الناشط، والذي إن تحرك بفعل تسرب المياه إليه يحرك فالق روم الذي لا تحمد عقباه”.

الحملات البيئية

وقال أبي راشد، إن “الحملات البيئية قانونية لأن سدود وزارات جبران باسيل (نائب في البرلمان اللبناني ورئيس التيار الوطني الحر وتولى وزارة الطاقة بين عامي 2011 و2014)، كلها لم تحترم قانون حماية البيئة 444/2002، وأهمها سد جنة، وسد المسيلحة، وسد بلعا، وسد بقعاتة لناحية وجوب إعداد دراسة تقييم الأثر البيئي لأي مشروع قبل البدء بالتنفيذ، وموافقة وزارة البيئة على هذه الدراسة، كما أن صلاحية دراسة سد بسري انتهت، وسد المسيلحة سيفرغ كلياً خلال أيام على الرغم من قيامهم بالتصليحات خلال سنتين، ولن تكون فيه سياحة”، مضيفاً، “الآن بدأ موسم السياحة والسد شبه فارغ”.

وعلق أبي راشد على الادعاءات في شأن “سد بسري”، “أن نعد أهالي بيروت بمياه سد بسري المتوقع أن ينتهي العمل به خلال 20 سنة مع فشل حتمي، وعد وهمي بالمياه، في حين أن الحلول البديلة موجودة، قليلة التكلفة، وسريعة التنفيذ”، لذلك اقترح أنصار الحلول البيئية بدائل لتأمين المياه لبيروت الكبرى من خلال الينابيع القريبة من بيروت، وكذلك الاعتماد على المخازن الجوفية حيث يصل معدل التغذية الطبيعية للمياه في لبنان إلى 53 في المئة من إجمالي المتساقطات بسبب طبيعة الأرض التي تسمح بتسرب المياه، إضافة إلى المطالبة بإعادة تأهيل شبكات التوزيع وإزالة التعديات، والاستفادة من مياه المتساقطات والأمطار عند الحاجة، ناهيك بإعادة تغذية الطبقة الجوفية عبر إنشاء آبار لحقن المياه الفائضة في الأرض، وتوسيع نطاق المساحات الخضراء وجعل أرض المدينة أكثر نفاذاً للمياه من أجل إعادة تغذية المياه الجوفية.

المصدر : بشير مصطفى – اندبندنت عربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى