تابعوا قناتنا على التلغرام
نشاطات وثقافة

“مكتبات الرصيف” في طرابلس : “القراءة حق للجميع” !

“القراءة حق للجميع”، هذا ليس مجرد شعار ترفعه النخبة المثقفة، بل هو واقع معاش، وحقيقة يطبقها ما تبقى من باعة كتب ودوريات منتشرة على أرصفة طرابلس اللبنانية، فهؤلاء اتخذوا عن سابق إصرار وتصميم قراراً بمعاندة الثقافة الرائجة، حاملين لواء الحفاظ على الكتاب الورقي باللغات الثلاث التي يفاخر اللبناني بإتقانها، كما أنهم يلعبون مهمة مقدسة في تأمين المعرفة “منخفضة التكلفة” مقارنة بصالونات الكتب الفاخرة، ناهيك ببث الحياة في المجلدات والكتب القديمة والمستعملة التي سكنت رفوف ومكتبات قدامى القراء ردحاً من الزمن.

طوال قرنين من الزمن، افتخرت طرابلس، شمال لبنان، بأنها “مدينة العلم والعلماء”، وعلى بوابة إعلانها عاصمة للثقافة العربية في عام 2024، بدأ البحث عن مبادرات تشكل علامات ثقافية فارقة. وبعيداً من الخطط النظرية المعلبة لإقامة بعض الأجواء الاحتفالية، لا يمكن تجاهل الدور التاريخي الذي لعبته بعض الخطوات العفوية التي تزدان بها ساحات طرابلس، واحدة منها “مبادرة بيع الكتب على رصيف ساحة النور”. ويفتخر أصحاب هذه المبادرة المتواضعة أن هذه الساحة التي احتضنت انتفاضة “17 تشرين”، تعود للعب دورها الثقافي والحضاري وإعادة الكتاب الورقي إلى قلب المدينة، كما تتجاوز بالنسبة لهم هذه الظاهرة الشق التجاري الضيق إلى الفضاء الثقافي الواسع.

يروي محمد (صاحب كتب) أن “التعلق” بالكتاب الورقي ليس جديداً، فقد ورثها عن والده الذي جمع عدداً كبيراً من “كتب التصوف” و”التحرر الحضاري”. ويشير إلى أن العملية بدأت عفوية لدى العائلة من خلال بيع بعض الكتب التي ضاق بها البيت، والرفوف، إلا أنه سرعان ما بدأت الأسرة بشراء بعض الكتب القديمة والمكتبات التي يعرضها أصحابها للبيع، وتتنوع الكتب التي تعثر عليها على الرصيف، من أقصى اليمين المتحرر إلى اليسار المحافظ، وتتقارب مؤلفات ماركس ولينين، مع كتب شارل بودلير، وروبرت فيسك، وميخائيل نعيمة، وتوفيق يوسف عواد، ورواد الفكر العربي، ومن الروايات الرومانسية، إلى الشعر العمودي، إلى علم الاجتماع والسياسة، إلى سير الرواد والعظماء. ويؤكد محمد أن “مكتبة الرصيف تجسد فضاء الحرية لأنها من ناحية تؤمن العناوين المختلفة أمام القارئ، كما أنها تؤمن هامشاً للتحرر الذاتي للإنسان من خلال المخيلة، وكذلك محاربة الجهل”.

ويرفع محمد لواء القراءة للجميع، لذلك فهو يقاوم غلاء الأسعار من خلال تحديد هامش ضيق للربح والتسعير، “الكتاب بدولار أو دولارين فقط أياً ما كان العنوان أو حجم المجلد”. ويقول، “كما يطلق عليها بسطة كتب، كما أنها ذات طابع شعبي بمعنى إتاحة المعرفة للجميع وليس بمعنى الثقافة السطحية. ويكرر، “تؤمن هذه المكتبات فرصة لجميع محبي القراءة لشراء الكتب القيمة جداً بأسعار منخفضة مقارنة بدور النشر الحديثة”، كما يجزم أنه “لا يحجب أي كتاب أو أي عنوان عن زبائنه، سواء أكانت دينية، قانونية، أدبية، فلسفية، وغيرها من الكتب والمؤلفات باللغات العربية، الفرنسية، والإنجليزية”، ويرفع محمد لواء “مقاومة تغول الحضارة الرقمية”، فهو يعتقد أن الثقافة الاستهلاكية تنحو بالناس نحو المادية، وتفقدهم عمق الفكر والهوية الحضارية، وتحديداً في مدينة طرابلس التي اشتهرت عبر التاريخ بالحاضنة للكتاب والثقافة.

صندوق المفاجآت

يتنوع زوار مكتبة الرصيف في “ساحة النور” بين شريحة تقصدها بصورة متكررة، وأولئك الذين يجتذبهم مشهد الكتب المنتشرة على طول الرصيف المؤدي إلى قلب الساحة. وتعبر آية عن سعادتها بمظهر الكتب المنتشرة في وسط مدينة طرابلس، والتي تصادفها في طريق العودة إلى منزلها. فهذه الشابة العشرينية هي واحدة من الشبان الذين باتوا يقصدون المكتبة في طريق العودة من العمل سيراً على أقدامهم. وتلفت آية إلى أنها، كمدرسة لغة فرنسية، تبحث عن كتب كبار المؤلفين والأدباء الفرنسيين. وتضيف أنها تأتي باستمرار إلى هذا المكان لأنه “يثري ذاكرتها ويحفز مخيلتها، فهي تشعر للحظات بأنها في ساحة المتنبي في بغداد التي تطالعها بها مواقع التواصل الاجتماعي”.

مكتبة الدوريات

ليس بعيداً من “ساحة النور”، يتجه القارئ شمالاً نحو “ساحة التل”، حيث تحولت بسطة كتب “حدارة” إلى أحد معالم الوسط التاريخي للبلد، فقد أسس محيي الدين حدارة هذا النموذج من مكتبة الرصيف عام 1950، واستمر في عمله هناك وشاهداً على تاريخ قلب عاصمة الشمال زهاء نصف قرن مقابل قهوة “فهيم” التراثية. في عام 1999، تسلم “مكتبة الرصيف هذه ابن شقيقه بلال حدارة الذي يستمر في بيع الجرائد اليومية والدوريات والكتب والإصدارات الثقافية العالمية منذ 23 عاماً”.

ويتحدث بلال عن زمنين مختلفين في معرض حديثه عن إقبال المواطنين على الكتب والقراءة، فقد “انقلبت الآية في علاقة الناس مع الكتاب والدوريات”. ويشير إلى أن “الزبائن كانوا يقفون بالصف من أجل شراء الجريدة اليومية أو الكتاب الشهري، وفي بعض الأحيان لا تكفي النسخ المعروضة لتأمين حاجة البعض منهم، كما كانت هناك شريحة ممن يوصي بعدد خاص به، أو يحجزه مسبقاً”، وفي الزمن الحاضر، “يضطر في أكثر الأحيان إلى إعادة الأعداد تحت تصنيف (مرتجع) إلى الموزع والناشر”.

كما يتطرق إلى أثر الأزمة الاقتصادية وغلاء الجرائد في الإقبال عليها، “كانت الجريدة بـ1000 ليرة (سعر الدولار في السوق السوداء نحو 29000 ألف)، أما اليوم فأصبحت 20 ألفاً، وبات يحتاج الموظف والمتقاعد إلى إنفاق معاشه الشهري لشراء الأعداد بصورة يومية”، لذلك يقوم البعض من محبي الكلمات المتقاطعة بتصوير الصفحة الخاصة بالتسلية لقاء خمسة آلاف ليرة، وكذلك الأمر بالنسبة للدوريات الأجنبية الفرنسية أو الإنجليزية، التي كان سعرها ستة آلاف ليرة، أما اليوم فأصبحت بـ130 ألفاً، وهو مبلغ كبير على الإنسان العادي الذي يتقاضى أجره باللبناني. ويتساءل حدارة، “هل بإمكان الشخص الذي يبلغ راتبه مليوناً ونصف المليون ليرة شراء جريدة يومية؟”.

وعلى الرغم من تراجع المبيعات، يصر حدارة على الاستمرار في عمله، فهو حاول أن يتركه ولكن لم يستطع، “هناك شيء داخلي يمنعني، هناك تعلق شديد بيننا، ولم يعد يتركني”، فهي بمثابة الإرث الذي تقع على عاتقه مسؤولية حفظه. ويلفت في المقابل، إلى استمرار الإقبال على شراء أوراق “اللوتو” و”اليانصيب” لأن “الناس يشترون الأمل وفرصة الفوز بالجائزة، علهم يتمكنون من تحقيق غد أفضل”.

المصدر : بشير مصطفى – اندبندنت عربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى