تابعوا قناتنا على التلغرام
اخبار لبنانمحليات

أزمة السكن في لبنان… هل تصلح القروض ما أفسده الانهيار؟

خلال الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل الإعلام اللبنانية بالحديث عن عودة قروض الإسكان إلى البلاد بدءاً من يونيو (حزيران) المقبل، من خلال تقديم مصرف الإسكان، وهو شركة مساهمة نشأت بموجب قانون خاص، قروضاً مشروطة لفئات محددة من اللبنانيين في قطاعي السكن، وتأمين الطاقة الشمسية المتجددة.

أنطوان حبيب، مدير المصرف، أعلن بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون، عن الخطوة وكذلك التطبيق الإلكتروني، الذي سيتقدم من خلاله المستفيدون بالطلبات. وأوضح أن هذه القروض لشراء مسكن لمحدودي الدخل، وتقدر قيمة الواحد منها بمليار ليرة لبنانية (نحو 29 ألفاً و400 دولار أميركي) مقسطة على 30 سنة بفائدة 5 في المئة، كما أن قروض تأمين الطاقة الشمسية ستخول العائلات تأمين ما بين 5 و10 أمبير للمنازل والوحدات السكنية.

دور الدولة في سياسة الإسكان

تأتي قروض الإسكان في ظل أزمة كبيرة تطاول حق السكن للمواطن والمقيم في لبنان. حيث يشكو المقبلون على الزواج عدم القدرة على تأمين مسكن، سواء كان تملكاً أو إيجاراً. إذ يشترط المالكون تضمين العقود بند “البدلات بالدولار” ضماناً لحقوقهم في ذلك الانهيار الدراماتيكي للعملة الوطنية، الذي بلغ عتبة الـ34 ألف ليرة لبنانية للدولار الواحد في السوق الحرة.

ومن أجل توضيح المشهد أكثر، فإن مبلغ المليار ليرة الموعود الذي كان يقدر بنحو 666 ألف دولار، بات يساوي نحو 29 ألفاً و400 دولار أميركي، ويصلح لشراء وحدة سكنية صغيرة لا تتعدى مساحتها 60 متراً في أحد الأحياء الشعبية. ومن هنا يبرز السؤال عن دور الدولة اللبنانية في هذا المجال.

تاريخياً، تدخلت الدولة لتأمين حق السكن على مراحل وبأشكال مختلفة، طوراً استجابة لكوارث محددة من خلال تقديم أراضٍ لإنشاء مساكن لضحايا النكبات كما حدث بعد فيضان نهر “أبو علي” في خمسينيات القرن الماضي، عندما بنت 75 مبنى في ضواحي طرابلس على أراضٍ تابعة لمصلحة الإغاثة والتعمير التي تم إلغاؤها في 1957. أو ببناء الدولة مساكن شعبية لإيواء موظفي بعض المؤسسات ذات الصفة العامة وعائلاتهم، أو تلك التي رعتها وزارة المهجرين بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان. لكن وبسبب سوء الإدارة والتنظيم، شكلت هذه المشاريع نواة لبروز العشوائيات في مناطق مختلفة من شمال لبنان، وجنوبه، وجبله.

ويؤكد مراقبون أن المؤسسة العامة للإسكان تعمل على وضع خطة جديدة للإسكان لا تقوم على الإقراض السكني، الذي يتولاه القطاع الخاص، بل على رؤية جديدة لسياسة الإسكان في لبنان تنطلق من مسلمتين: الأولى تأمين التوازن في عقود الإيجار ووضع ضوابط لها، والثانية إنشاء وحدات سكنية بالتعاون مع القطاع الخاص مع إقرار نظام الإيجار التملكي. وتتطلب هذه الإصلاحات تدخلاً تشريعياً، لأنها تُدخل تعديلات على النظام القانوني القائم في لبنان.

السكن حق للجميع

يعتبر “الحق في السكن” من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية للإنسان. وتعتقد تالا علاء الدين، باحثة اجتماعية، أن السؤال الواجب طرحه في لبنان هو “من المستفيد من غياب سياسة السكن؟”، حيث تتذرع الدولة بمذهب الحرية لعدم ضبط قطاع العقارات وأنظمة الإيجارات، على اعتبار أن الملكية الخاصة مقدسة. لكن ذلك لا يخفي سيطرة المطورين العقارين على السوق، فضلاً عن فتح باب المضاربة، ناهيك عن المصارف التي استفادت في السابق من الإقراض.

وتلاحظ تالا أن الحكومات اللبنانية، منذ 1992 وحتى يومنا هذا، عملت على تسهيل الشروط لتجار العقارات والمقاولين، وتكريس التسليف بدعم من مصرف لبنان المركزي، فيما لم تتجه طوال فترة ما بعد الحرب إلى تأمين الحق في السكن للجميع.

وتشير تالا إلى سلسلة أحداث فاقمت أزمة السكن في البلاد، بدءاً بعام 2018، تاريخ وقف قروض السكن، إلى اندلاع الانتفاضة، ومن ثم الإغلاق العام بسبب كورونا، والانفجار العظيم الذي طاول مرفأ بيروت. مضيفة، “على الرغم من هذه الأزمة الكبيرة لم تبادر أية جهة رسمية أو حزبية بإطلاق استراتيجية لحل مشكلة السكن، فيما تبرز محاولة لحصرها في هامش العلاقة الإشكالية بين المستأجر والمالك من دون تحميل الدولة أية مسؤولية تجاه المواطنين”.

القروض ليست حلاً نهائياً

تؤكد تالا أن “عودة القروض السكنية ليست كافية لحل أزمة السكن في لبنان”، لأن السياسة السكنية أوسع من ذلك، ولا بد من وجود بيانات رسمية عن السكن لدى الدولة، وإحصاء عدد المستأجرين والمالكين، لأن “التملك ليس شرطاً حصرياً لتأمين الحق في السكن”.

وتضيف، “تفترض السياسة الإسكانية وجوب تأمين إيجارات عادلة، ولا بد من تدخل الدولة لتحقيق التوازن في السوق وعدم تركها رهينة شروط العرض والطلب”، لذلك “يفترض إصدار تشريعات لضبط الإيجارات بما يتناسب مع مداخيل الأفراد والأسر من أجل تحقيق الاستقرار للمستأجرين. الإيجارات العادلة تفترض استخدام العملة الوطنية حصراً لتحديد بدلات الإيجار، وعدم تحديدها بالدولار الأميركي بحجة عدم استقرار سعر الصرف”.

ورداً على سؤال حول حماية حقوق المالك بفعل خسارة الإيجارات المحددة بالعملة الوطنية قيمتها، تقول إن “المقصود بالإيجارات العادلة تلك التي تؤمّن حقوق المالك والمستأجر، بالتالي لا بد من إنصاف صغار المالكين الذين يستفيدون من البدلات من أجل تأمين معيشتهم، وكذلك الأمر بالنسبة للمستأجر الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار مستوى دخله، لذا لا بد من تحديد سقف معين يمنع استغلال الناس من قبل المطورين العقارين، وهذه السقوف يفترض تحديثها باستمرار لعدم تكرار أزمة الإيجارات القديمة في لبنان والمستمرة لعقود من الزمن من دون تعديل”.

محاربة الفراغ

تنوه تالا إلى شرط إضافي في السياسة السكنية العادلة من خلال مكافحة الشغور، لأنه “من غير المقبول أن نعيش أزمة سكن كبيرة في وقت توجد الآلاف من الشقق الفارغة في بيروت، وطرابلس، وغيرهما”، وتقترح “فرض ضرائب تصاعدية تستهدف مستثمري العقارات الذين يتملكونها ويتركونها فارغة في انتظار زيادة الأسعار والأرباح خلال فترات لاحقة. كما تدعو إلى اعتماد برامج سكنية تنصف صغار المالكين”.

وتشير إلى ضرورة اعتماد استراتيجية “صفر إخلاء”، حيث يمنع إخلاء أي فرد من منزله قبل تأمين مسكن بديل يحترم مقومات شروط العيش الصحي والسليم. إضافة إلى احترام مطالب ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن في هندسة الأبنية. إلى جانب تأمين سكن لائق للفئات الهشة، والمقيمين، والعمال الأجانب. كما تدعو إلى الاعتراف بالمناطق السكنية غير الرسمية التي يقطن فيها أكثر من نصف سكان لبنان، والعمل على تحسين ظروف حياة قاطنيها.

وخلصت تالا إلى أن حلولاً مجتزأة وعشوائية طبعت سياسات الحكومات اللبنانية المتعاقبة، إذ كانت تنشئ مؤسسات مختلفة، لكنها سرعان ما ألغتها من دون تقييم فعلي لعملها أو تحديد أسباب فشلها. كما أقامت مشاريع سكنية عامة في بعض الفترات، كتلك التي أنشأتها في طرابلس، وأدى التخلي عن إدارتها إلى انتشار الفوضى، لذلك لا بد من خطة خاصة بأراضي الدولة العامة والمخصصة للسكن، والسعي لتحسين ظروف السكان في المشاريع السكنية العامة.

المصدر : اندبندنت عربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
//grunoaph.net/4/5190373