تابعوا قناتنا على التلغرام
اخبار لبنانمحليات

مهاجرون لبنانيون يحتفلون بنجاح وصولهم إلى إيطاليا

يصدق تعبير “موسم الهجرة الجماعية” لوصف الحالة التي تعيشها طرابلس وشمال لبنان. وتأتي جملة من الوقائع لإثبات هذه الفرضية. فخلال اليومين الأخيرين من أبريل (نيسان)، شهدت هذه المنطقة واقعتين مختلفتين، الأولى إعلان مديرية الاستخبارات في الجيش عن إحباط مغادرة قارب للهجرة نحو أوروبا، والثانية هي احتفال عائلات في مدينة الميناء بوصول مجموعة من أبنائها إلى شواطئ أوروبا وإيطاليا على وجه الخصوص.

في الأثناء، تصاعدت مطالبات أهالي ضحايا الزورق الذي غرق في بحر الميناء – طرابلس، في 24 أبريل، بجلاء مصير أبنائهم المفقودين، ويتمسكون برواياتهم التي تحمل “قارب الجيش” مسؤولية حادثة صدم الزورق، ما أدى إلى غرقه فيما كان على متنه قرابة 85 راكباً.

الوصول إلى شواطئ إيطاليا

فجر الجمعة، وصل قارب للهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا بعد مرور ثمانية أيام عن إبحاره من قبالة شاطئ طرابلس. نجحت 35 عائلة في الهروب من الواقع المؤلم في لبنان. وقد وثّق الشاب مهدي نجارين رحلته إلى إيطاليا، التي تكبد خلالها المشقات، إلا أن النتيجة “كانت تستحق المخاطرة”. ويتحدث نجارين عن خروج عائلات بأكملها من لبنان ومن منطقة الميناء على متن قارب ضاق بركابه.

يقول نجارين الذي كان يعمل كهربائياً في إصلاح اليخوت “كنت مستعداً للركوب على متن طنجرة أو وعاء للهجرة”، مضيفاً أن “الوضع في لبنان، لم يعد يحتمل”. وهو خرج من “أجل العيش بكرامة”، و”الانتقال إلى بلاد تحترم الإنسان والحيوان، وإذا  حصل أن تعرض أحدهم للحيوانات تنتفض البلاد فكيف هي الحال بالإنسان؟”.

ويشير نجارين إلى أنه نجح في الوصول إلى أوروبا بعد محاولة أولى فاشلة، فمنذ أشهر حاول الهجرة عن طريق تركيا، بعد أن غادر نحو اليونان، لكن خفر السواحل أوقفه. ويقول “اعترضونا، أوقفونا، ضربونا، ورمونا بالماء لكي نغرق”، ولكن أنقذنا الأتراك الذين أوقفونا وعذبونا في مركز الاعتقال. وبعد شهر، أعدنا إلى لبنان”.

يتطرق المهاجر نجارين إلى حادثة أساسية دفعته إلى الهجرة مجدداً من خلال البحر وتعريض حياته للخطر. فبعد عودته إلى لبنان، تلقى اتصالاً من الجهات الرسمية، وتم تجريده من جواز سفره. ويضيف، “كنت أحاول السفر إلى أفريقيا من أجل العمل هناك، إلا أن كل محاولاتي لاستعادة الجواز، وكل الواسطات باءت بالفشل”. عندها قرر الشاب إعادة الكرة، وركب البحر إلى جانب نحو 185 شخصاً عبر أحد قوارب الهجرة غير الشرعية.

لا يشعر نجارين بالندم، كما أنه لا يتردد في نصح اللبنانيين اليائسين بالخروج من بلادهم، لأن سوء الخدمات والفقر أصبحا لا يحتملان. وهذا الأمر سيدفع الناس إلى مزيد من الهجرة.

قصة نجاة أسطورية

يوماً بعد يوم، يتكشف حجم الصدمة لدى الناجين من “زورق الموت”، فقد حفرت الحادثة عميقاً في أذهانهم، وهي ليست حدثاً عابراً يغادر المخيلة بسرعة. يروي الناجي مراد أنه “منذ 6 أشهر، وعندما بلغ الدولار عتبة 30 ألف ليرة، اتخذ القرار بالهجرة من لبنان، لأن الأوضاع فاقت حدود الاحتمال”. بدأ البحث عن طريقة شرعية لمغادرة البلاد، “لم نترك باباً إلا وطرقناه، ولكن الجواب كان سلبياً… ففي لبنان عجزنا عن الحصول على جواز سفر، أو حتى إمكانية تقديم طلب الحصول على فيزا لبلد ما”.

بعد بحث عن آلية للخروج من لبنان، “أرشدنا أحدهم إلى مهرب، وذلك الشخص لم تكن له علاقة بالرحلة التي غرقت”، بدأت المفاوضات مع الرجل الذي طلب 8 آلاف دولار بدل الراكب، و”كان التواصل معه من خلال وسيط الذي حدد رحلة في بداية موسم الشتاء”، إلا أنه في الموعد المحدد تأخر الناجي ورفاقه ثلث ساعة عن الموعد المقرر لانطلاق الرحلة التي غادرت قبل وصولهم و”حجة المهرب أن الدورية الموجودة هناك والمتفق معها ربما تتبدل في غضون دقائق… وعندها أعاد المهرب المبالغ التي دفعناها”.

يقول الناجي “أعتقد أن سبب فشل الرحلة هذه المرة كان أننا لم ندفع رشوة”، مضيفاً “بعد فشل الرحلة الأولى، بدأ البحث عن رحلة جديدة أقل خطورة من البحر، جواً من خلال فيزا على إحدى بلدان أوروبا الشرقية، ومن ثم الانتقال إلى ألمانيا”، لكن هذه أيضاً باءت بالفشل.

يتابع الناجي روايته، “خلال شهر رمضان، سمعنا عن الإعداد لرحلة إلى أوروبا عبر البحر من خلال جهود خاصة من دون الاعتماد على مهربين، فمنظمو الرحلة اشتروا قارباً وجهزوه، وأعلمونا أنهم لا يريدون أخذ عدد كبير لأنها رحلة هجرة عائلية”.

تفاءل الشبان، وبدأ تنظيم الاتفاق للمغادرة، “قالوا لنا نحتاج إلى بعض المال لاتمام الرحلة، من لا يملك المال لن نطلب منه، ونرحب بمن يمكنه دفع المال من أجل جمع ثمن المحروقات والطعام، لإتمام الرحلة التي قدر وقتها بستة أيام”.

يكشف الناجي عن أنه استدان المال من أقاربه في الخارج، في حين كان على متن الزورق “أشخاص لم يدفعوا ليرة واحدة، واستقبلوا من باب المساعدة”.

كان البحر هادئاً

اتفق الشباب على موعد للمغادرة، اتجه هؤلاء إلى مكان في القلمون، “صعدنا إلى المركب المجهز، وانطلقنا من منطقة البرج عند قرابة الساعة 7:30 مساء الأحد، كان البحر هادئاً. حمل الأشخاص أغراضهم الشخصية، وبعضهم كانت بحوزته الأراكيل”. وبعد نحو 45 دقيقة، تغير المسار، سألنا عن سبب ذلك، فأبلغنا أحدهم بأن GPRS طرأ عليه عطل… وتوقف القارب لبعض الوقت، بعد نحو 15 دقيقة تم إصلاحه”، وبحسب الشاب الناجي “هذا الوقت سبب أذيتنا، مكنهم من اللحاق بنا”.

يلفت الشاب “سارت الرحلة بشكل طبيعي إلى درجة أن الشباب الذين كانوا في أعلى القارب ناموا”، مضيفاً “لأنني لا أجيد السباحة وبسبب خوفي من أي طارئ بقيت مستيقظاً، رأيت من بعيد ضوءاً يقترب منا في عرض البحر، لذلك أيقظت أحد الشباب الذي كان سابقاً في إحدى الرحلات، صرخ إلى الموجودين بأنه مهما كان حجم الاستفزازات، التزموا الصمت”. ويتابع، “ما هي ألا دقائق، حتى وصل طراد الجيش الذي بادر بالصراخ. وقال ممنوع متابعة الطريق”، ثم “جاء زورق صغير نفخ إلى جانب الزورق الكبير، سمعنا خرطشة سلاح، فما كان من بعض الشبان إلا أن بادر إلى القول أطلقوا الرصاص، نحن ميتون في مطلق الأحوال”.

بعد ذلك، “وقف الزورق الكبير خلف زورقنا، وسلط أضواءه إلى قاربنا، من الأسفل، حيث النساء والأطفال، إلى الأعلى، حيث الرجال والشبان”. بعدها تجاوز الزورق العسكري قارب الهجرة، “عندما أصبح أمامنا بدأ المناورة ما أنتج موجاً كبيراً حولنا، أعتقد أن الهدف كان قلب القارب وليس إغراقنا في بادئ الأمر… كنا ننتقل من جانب إلى آخر للحفاظ على توازن المركب، ومنعه من السقوط، وتكرر هذا الأمر أكثر من 10 مرات، عندها أعاد الزورق العسكري تسليط الضوء على قاربنا”. في تلك اللحظة، “صرخ رجل متقدم في العمر: معنا أطفال ونساء يا وطن. عندها أجاب الضابط: والله لأقبركم يا… (شتيمة)”. يجزم الشاب، “كرر الجملة نفسها مرتين، وسمعتها بأذني”، وبعدها أسرع القارب الذي كان بموازاتنا، واتجه إلى أمامنا، وحصل الضربة. في تلك اللحظة، ارتفعت صرخات النساء والأطفال، وفي الوقت نفسه قال عسكري من الزورق الصغير، “ضربكم، خزقكم، بدأ الماء التسرب إلى قاربكم، توقفوا”.

استمر القارب بالسير، فكرر القارب العسكري صدم قارب الركاب للمرة الثانية، يقول الشاب، “الضربة الثانية كانت قاضية، هنا شعرنا بدخول الماء إلى القارب، وارتفع الصراخ”.

الكارثة

وما هي ألا لمحة بصر، “خلال ثوانٍ، انشطر القارب إلى نصفين”، “نظرت خلفي فوجدنا أنفسنا في الماء، لم نتمكن من القفز”. في هذه اللحظة، بدأت الكارثة، “بعد أن سقطنا في الماء، ابتعد القارب العسكري، وتحتاج إلى ما يزيد نصف ساعة سباحة لبلوغه… وقال لنا من يمكنه السباحة، فليأتِ إلينا، كان المنظر بشعاً للغاية، أنت مضطر إلى الاستغاثة بمن هددك بالقتل”.

بدأ الركاب الذين تمكنوا من السباحة، الاستنجاد بالقارب، “نرجوك، اقترب منا، هناك نساء وأطفال يغرقون، وكثيرون منا لا يجيدون السباحة”. يؤمن الشاب بأن معجزة أسهمت في إنقاذه وإعادته إلى الحياة، “كان هناك أشخاص يحاولون الإمساك بي من أجل النجاة، وعن غير قصد كانوا يدفعونني إلى الغرق تحت الماء”. يتابع الناجي قصته، “وجدت على سطح الماء حقيبة طافية، تعلقت بها، واستمر هذا لأكثر من ساعة ونصف”، كان البحر مظلماً، تراجعت نداءات الاستغاثة حتى اختفت، شعرت بأنه تم إنقاذ النساء والأطفال، أو غرقوا”.

شعر الشاب بأنه أصبح وحيداً، يحيط به الماء من كل جانب، لم يعد أمامه إلا الصراخ. مع مرور الوقت، “بدأت أفقد الأمل، توترت، تشنج جسدي، تسللت الرجفة إليه، وابتلعت المازوت الذي كان مخزناً على القارب، أثقل الماء ملابسي وحذائي، خشيت أن أترك الحقيبة فأغرق، أو تستمر بامتصاص المياه فأغرق أيضاً”. ويؤكد، “فكرت أكثر من مرة بالاستسلام، بترك الحقيبة ونطق الشهادة، ولكن في كل مرة كان يأتيني صوت وإلهام، بأنني أنتظر منذ نحو الساعتين في الماء، ولم أغرق، لديّ بقية من العمر، لماذا أنتحر؟”.

ويروي، “قررت أخذ المبادرة، بدأت دفع الحقيبة إلى الأمام وتحريك رجليّ، بعد قليل لاحظت من بعيد قارب الإنقاذ، حاولت القيام بحركات للفت الأنظار… يعود الفضل في إنقاذي إلى شاب سوري، مد لي عصا، ونزل تحت الماء ليسحبني من الحزام”.

هذا الأمر، أشعر الشاب بأنه تجاوز منطقة الخطر، ولكن في الوقت نفسه “شعرت بتخشب جسدي، لم يعد بإمكاني الحركة أو الكلام، وضاق نفسي”. وفي تلك اللحظة، حصل مشهد حفر عميقاً في ذاكرة الناجي، “وضعوا فتاة صغيرة ميتة إلى جانبي، لا يمكنني نسيان ذلك، لذلك سأبدأ بجلسات العلاج النفسي خلال الأسبوع المقبل، لا يمكنني النوم ليلاً، أسمع باستمرار صراخ الأطفال والنساء، وبتّ أشعر بخوف غير طبيعي، وأهرب من الأماكن المظلمة، وتحضر المشاهد المفجعة في مخيلتي من دون انقطاع”.

إحباط رحلة جديدة

إلى ذلك، أصدرت قيادة الجيش اللبناني بياناً أعلنت فيه توقيف خمسة أشخاص في طرابلس، أثناء تحضيرهم لتهريب نحو 85 شخصاً عبر البحر بطريقة غير شرعية. وقد ضبط المركب في أحد المنتجعات السياحية. وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص.

في موازاة ذلك، تتجه الحكومة اللبنانية إلى طلب مساعدة دولية للمساعدة في إخراج الزورق الغارق قبالة جزيرة الرمكين في بحر الميناء طرابلس. وسيؤدي هذا الأمر إلى جلاء مصير المفقودين العالقين داخل القارب، الذين يخشى الأهالي من تمييع ملفهم. وتقول الناجية بارعة صفوان الجندي (والدة المفقودتين سلام وغانية) “نطالب بإخراج المركب عاجلاً، لأن ذلك سيؤدي إلى الكشف عن الجريمة”.

أين أصبحت التحقيقات؟

لا ينكر الناجون إعدادهم القارب من أجل الهروب إلى أوروبا، وتجهيزه بمحركين ووسائل اتصال، وتحديد مواقع لبلوغ إيطاليا في خطوة أولى لتغيير حياتهم. ولا ينفي هؤلاء تحذير الجيش لهم لعدم متابعة طريقهم نحو المياه الإقليمية، وإصرارهم على المغادرة. إلا أنهم يستشعرون محاولة لتمييع التحقيقات في الحادثة، من خلال حرف الأنظار عن عملية صدم القارب إلى الحديث عن خروج غير شرعي من لبنان.

ومن أمام مرفأ طرابلس، يتحدث بلال دندشي عن محاولة “فبركة ملف ضد الموقوف إبراهيم الجندي من خلال تحميله مسؤولية قيادة القارب”، مشدداً على تقاطع روايات الناجين عن “ضرب القارب وشطره نصفين قبل الغرق”، وفي مقدمتها رواية أحد الأطفال الناجين الذي تحدث عن ذلك فور إنقاذه.

ويقول مدير مرفأ طرابلس أحمد تامر إن القارب غرق في منطقة بعيدة عن الشاطئ، وقد غرق في عمق البحر نحو 400 متر، ويحتاج إخراجه إلى معدات متقدمة من أجل ربط القارب وسحبه إلى السطح، “لأنه لا يمكن لإنسان بلوغ هذه النقطة”.

إلى ذلك، يطالب عميد دندشي، أحد الناجين، بـإخراج الملف من يد النيابة العامة العسكرية، وإحالته إلى المجلس العدلي، وإلا محاكمة دولية”.

المصدر :

اندبندنت عربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
//grunoaph.net/4/5190373