تابعوا قناتنا على التلغرام
مقالات مختارة

الأزمة تحرم تلاميذ لبنان من “رفاهية الباص” !

سيراً على الأقدام عاد طلاب لبنان إلى مدارسهم مع بدء العام الدراسي الجديد وعلى رغم أن ذلك قد يشكل أمراً عابراً بالنسبة إلى كثيرين، لكنه مؤشر إلى مدى تأثير الانهيار المالي والأزمة الاقتصادية في سلوكيات المواطنين الفقراء على وجه التحديد.

فالتصالح بين اللبناني ورياضة المشي لم يأت من قناعة شخصية بفوائدها على الصحة الجسدية والنفسية للإنسان وإنما استجابة للضغط المادي الذي شكله رفع الدعم عن المحروقات في البلاد.

فمنذ قرابة الشهر تم تحرير سعر البنزين في لبنان وأصبح تسعيره يخضع للسوق الحرة ويتأثر مباشرة بالتبدلات في سعر صرف الدولار الأميركي، وترافق ذلك مع تكريس معادلة ارتفاع كلفة النقل إلى ما يوازي الـ20 ضعفاً، وليس من قبيل المبالغة الإشارة إلى أن إعصار النقل قد يؤثر في المدارس الرسمية أكثر من أي عامل آخر، سواء على مستوى الطلاب أو الكوادر التعليمية، فهؤلاء يشكلون الحلقة الأكثر ضعفاً ضمن النظام التربوي.

عودة إلى الماضي

مع صباح الإثنين الثالث من أكتوبر (تشرين الأول)، اندفع الطلاب إلى الشوارع بأعداد كبيرة يحملون حقائبهم على ظهورهم متجهين إلى المدرسة، ومن المشاهد اللافتة وجود آباء وأمهات يحملون أطفالهم على أكتافهم وهكذا كانت حال وسام الذي حمل ابنته فوق كتفيه وفي يده الحقيبة، بينما ترافقه زوجته التي تمسك بيد ابنها البالغ من العمر ست سنوات.

يتوجه هؤلاء إلى المدرسة لتوصيل أبنائهم سيراً على الأقدام ويؤكدون أنهم يدفعون ضريبة الغلاء، فهم واقعون بين خيارين صعبين، إما التضحية براحتهم أو إرسال الأطفال بـ”الأوتوكار”، بالتالي الاضطرار إلى حرمانهم من أمور أخرى.

تروي دارين وهي أم لثلاثة أطفال أنها اضطرت إلى نقل أبنائها إلى مدرسة قربية بعد أن أبلغتها إدارة المدرسة بأن بدل نقل “الأوتوكار” حوالى 40 مليون ليرة لبنانية (بحسب سعر الصرف) أي ما يعادل نحو 1000 دولار للطفل الواحد، وهو رسم قابل للارتفاع في حال طرأت أية زيادة على أسعار المحروقات.

موسم الخيارات الصعبة

من هنا وجدت دارين نفسها أمام مفاضلة صعبة، فما كان منها إلا أن نقلت أطفالها بالاتفاق مع جارتها إلى مدرسة قريبة تبعد نحو 100 متر من المنزل، إذ تعتقد “بأن تبديل المدرسة قد يؤدي إلى ضغط نفسي على التلميذ لأنه سيجد نفسه ضمن صفوف وبين طلاب جدد، لكنه أمر موقت وسرعان ما يتكيف الطفل مع المحيط الجديد”.

وتلفت إلى أنها وجارتها سينظمان أوقاتهما بحيث ترافق إحداهما الأطفال في الذهاب إلى المدرسة والأخرى تنتظرهم في طريق العودة، كما تشير إلى أنها حاولت إقناع البنت الصغيرة بالمدرسة الجديدة من خلال بعض أدوات القرطاسية الزاهية وبأمور أخرى من قبيل أن قربها من المنزل سيجعلها ترتاح لفترة أطول.

مما لا شك فيه أن كلفة النقل جعلت بعض الأهالي يعيدون النظر في إرسال الأبناء إلى المدارس، فقد طالعتنا إحدى الأمهات التي تعمل “مياومة” في إحدى المؤسسات الحكومية بأنها تفكر جدياً بألا تسجل أطفالها في المدرسة هذا العام، لأن أجرها لا يتجاوز مليون ليرة لبنانية (25 دولاراً) وهو مبلغ قد لا يمكنها من تأمين تنقلاتهم إلى المدارس.

“الأوتوكار” بالدولار

عمدت بعض المدارس إلى تسعير “الأوتوكار” بالدولار الفريش ويتراوح الأجر بين 25 و50 دولاراً بحسب بعد أو قرب المسافة واعتاد الطفل اللبناني خلال العقدين الماضيين على الانتقال إلى المدرسة بواسطة “الباص” إلا ما ندر، لكن غلاء المحروقات يشكل تحدياً للأسر التي تمتلك دخلاً بالعملة الوطنية ولديها أكثر من طفل.

مشهد الدراجات النارية التي يركب عليها أكثر من فرد والتي كانت في الماضي موضع تعجب باتت شائعة. ففي الصباح الباكر يمكن رصد عشرات الدراجات التي يركب عليها إضافة إلى السائق ثلاثة أو أربعة طلاب يحملون حقائبهم على ظهورهم، كما اتجه بعض التلامذة إلى استبدال “الأوتوكار” بـ”التاكسي” أو حتى “التوكتوك”.

معاناة الأساتذة

ما يعانيه الطلاب ينسحب أيضاً على الأساتذة، فأجورهم لم تعد ترقى إلى مرحلة تأمين الرفاهية وبات الأستاذ يحتسبها بعدد “تنكات البنزين”، فعلى سبيل المثال يساوي أجر المدرس في المرحلة الابتدائية الرسمية ما يوازي تنكة بنزين ونصف التنكة، أما راتب أستاذ الثانوي فيساوي ثلاث تنكات ونصف التنكة شهرياً، لذلك لجأت بعض المدارس إلى تأمين نقل مشترك لأساتذتها، وفي مدارس أخرى نظم الأساتذة حركتهم لينتقلوا بصورة جماعية، فيما لجأت قلة حتى الآن إلى استخدام الدراجات بديلاً عن وسائل النقل المكلفة.

وعليه فإن مضاعفة أجور المعلمين في القطاع الرسمي بوصفهم موظفي قطاع عام لن تغير كثيراً من المشهد القاتم، فهي استمرار لما عايشه الأساتذة العام الماضي، مما دفع كثراً منهم إما إلى مقاطعة العمل، أو تقديم طلب استيداع والسفر إلى الخارج بحثاً عن عمل آخر لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

رابطة التعليم الثانوي وصفت الزيادات في أجور القطاع العام بـ”المجحفة” ودانت كذلك تخفيض نصاب الأساتذة من 20 إلى 18 ساعة فقط، علماً أنها طالبت الوزير بجعلها 15 ساعة أسبوعياً لتخفيف الأعباء عنهم، كما طالبت بمتأخرات بدلات النقل والمنحة الاجتماعية.

عام دراسي طبيعي

خلال اجتماع لجنة التربية النيابية، الإثنين، أعلن وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال عباس الحلبي “الحصول على مبلغ 30 مليون دولار ستوزع على صناديق المدارس الرسمية”، كما كشف عن سعيه إلى الحصول من الجهات الدولية على مزيد من الأموال لضمان حسن سير السنة الدراسية الحالية.

وفي وقت سابق أكد الحلبي السعي إلى “تحقيق جميع مطالب الأساتذة وتأمين سلة عطاءات لهم لتخفيف تداعيات الأزمة وحصر الدوام الأسبوعي بأربعة أيام بغية تقليص الأعباء والنفقات”.

من ناحيتها طلبت لجنة التربية النيابية من رئيسها النائب حسن مراد عقد لقاءات مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير المال يوسف خليل “للإفراج عن المستحقات المالية للأساتذة في القطاع الرسمي كبدل النقل والمساعدات الاجتماعية وغيرها”.

المصدر : بشير مصطفى – أندبندنت عربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى