تابعوا قناتنا على التلغرام
فن

عن النازحين السوريين في “المكان الجنسي” !!

بعد أربع سنوات على إنتاجه وعرضه ونيله جائزة أفضل فيلم روائي قصير في مهرجان الإسكندرية السينمائي، أتيح فيلم “خيمة 56” بشكلٍ مجّاني في يوتيوب، حيث تباينت ردود أفعال المشاهدين، وتحديداً السوريين منهم، تجاه الفيلم والقضية التي يتناولها..

الطامة الكبرى في الفيلم أنه عُرض منذ أعوام كما قلنا، فيما اكتشف السوريون الفيلم منذ شهر، أي أن الفيلم لم يجده السوريون في آنية عرضه أو تشكله وولادته، هذا التأخر في العرض له عشرات الأسباب، لكن الجزء الأهم أن السوريين لا يتصلون بواقعهم، ولا بكتّابهم، سوى ما يُتاح لهم من النظام، ومن بنية الإنتاج الفني المُسيطر عليها حقوقياً من جهات رأسمالية أو جهات عربية ذات أخلاقية مقيّدة.

فنياً وسينمائياً، يقوم الفيلم عموماً على موضوع مجزأ، تولّى إخراجه سيف الشيخ نجيب، ومن بطولة نوار يوسف وعلاء الزعبي وصفاء سلطان وشادي الصفدي وآخرين. وكتبت السيناريو سندس برهوم، التي لم يكن من واجبها أن تتحدّث عن أزمة اللاجئين السوريين كلها، بل اختارت موضوعة جزئية من واقع كُلي، وتلك الجزئية صالحة لتكون حقلاً لعمل سينمائي بلا شك.

فالخيمة 56، هي الخيمة التي أصبحت مكانياً، المكان المُرتجى والأفضل للممارسة الجنس بين أزواج المخيم. البرهوم رسمت خطاً معيارياً أحادياً، وهو خط شديد الصلة بأنثروبولوجيا التكيف لدى الإنسان منذ أن صنع بيتاً، والبيئة ليست متخيلة بل واقعية. خلق مكان لممارسة الجنس، هذا جزء واقعي وحقيقي التقطه الفيلم وجعل له عقبة درامية، وسرد آلية حل العقبة ضمن بيئة النازحين. كان الفيلم جواباً جيداً على سؤال يذكره السوريون في بيوتهم الآمنة مع وصول العواصف الثلجية، أو مع اشتداد الحر، كيف يعيش سوريو المخيمات؟ أما الفيلم فرصد جواباً لحالة يومية أخرى يتعايش معها أهل المخيمات، هذا السؤال الذي يتجاهله السوريون مع هول الأزمة، أو يجدون جواباً له من دون تفاصيل دقيقة، ويكتفون بذكر التفصيل: كيف يُنجب أبناء المخيمات أولاداً؟

(علاء الزعبي يعتذر)

يقتفي الفيلم عقبة الجسد وتموضعه في المكان، الوقت الهائل لاحتشاد الأجساد وانتشارها في مهجرٍ ما، بعدما هجرت بيوتها جراء الحرب والقمع، وهجر البيت لا يعني هجر ثقافته، تقسيم المكان بين غرفة النوم المنفصلة للأزواج، غرفة الأبناء، غرفة الجلوس وممارسة عاديات الجسد… هذا كُله انتفى في بيئة المخيمات بلا شك، ومعالجة هذه المعضلة تقتضي فناً ومخيلة، وتقتضي الكتابة أيضاً جميع أنواع التخيلات الإبداعية كأي مأساة إنسانية، يُبرّر ويُعوض فيها الإنسان تصرفاته ضمن بيئة مقموعة ومقيّدة، ويتجاوز يوماً بعد يوم عقبات التكيف في بيئة حتمية ولا مفر منها.

لكن ما يشكّل التساؤل عن الفيلم، لا ما كتبه بعض المدافعين عنه، بتصويره حق المرأة في طلب الجنس، أو تخصيص المكان والقبول فيه، فهذه الاعتراضات اعتيادية وشائعة في مجتمعات شرقية شديدة الدقّة في مراقبة المرأة ومهاجمتها وإنكار أبسط حقوقها باسم العفة، ولا يستحق الفيلم دفاعاً في وجه مهاجميه التقليديين. التساؤل حول الفيلم عليه أن يدور حول قيمة الرسالة التي يوجهها لنا كسوريين الى جانب مشاهدي الفيلم عبر العالم. التجزئة التي يقع فيها الفيلم، غير فنية، لأن الجزء المخصص بسيط، والعقبة الأحادية ساذجة، فالمكان نحن نعرفه بوصفنا سوريين، وبوصف اللهجة مناطقية محددة، لكننا قد نشك في هذا أيضاً. لا تُذكر البلد في الفيلم، ولا اسم المخيم، ولا مَن أوصل النازحين إلى المكان، والإخراج فقير بصرياً، فلم يصور المكان إلا من داخله، كشقوق تفصل الخيم عن بعضها البعض، وحيوانات واسطبل، وداخل الخيم لم يُنشئ كوادر أو لوحات تجعلنا ننجذب للإطارات المُصورة. أي أن المخيلة البصرية للمخرج متوقعة، والفيلم نمطي إلى حد السذاجة. الأهم في كتابة الفيلم السياقات الغير متوقعة للعقبة الدرامية، إلا أن الفيلم يمشي مع العقبة وكأنها بريئة من تاريخ الشخصيات الظاهرة فيه، ومن طبيعتهم الأخرى وسلوكياتهم، ومن قولهم النفسي عما هم فيه بوصفهم يعيشون بيوميات كثيرة. وحتى سرد بيئة المخيم في الصور والمشاهد، فقير جداً. وكأن الفيلم يعالج بيئة مستقرة، وتوترها المكاني الوحيد هو سياق الجنس، والمكان الجنسي.

أي تجزئة لفكرة، بحاجة إلى معاينة فنية أكثر رويّة، ومعالجة تعويضية بالرمزية، ذلك للانطلاق نحو عرض الشخصية وتفتيحها. فالشخصيات التي تظهر تباعاً تملك توتراً وفق فكرة واحدة، لا غير، ممارسة الجنس. تاريخ الشخصية هو حيزها المتوقع والخفي في آن واحد، إلا أن الشخصيات كأنها عجولة لا تُفرد رمزاً أو فعلاً غير متوقع أو حتى بصنعة فنية. فلا إيغال في أي حركة تعلق في الشخصية أو في تصرفاتها. لا المُخرج ولا الكاتبة يملكان مشروطية الفيلم القصير، ولا الفيلم الطويل بطريقة العرض والجذب، فتبدو الفكرة وكأنها تُقال شفاهاً أفضل من عرضها بهذه الطريقة أو الصورة. وكأن الفيلم برمته مشهد قصير، وليس فيلماً يملك أبعاداً تحاكي ذات المشاهد وتجبره على تأملات أخرى أو مفتوحة أو مثيرة أو جذابة. وبعيداً من الهرج والمرج “الأخلاقي” الديني أو الإنساني أو السياسي، إلا أننا نملك للأبد تساؤلاً مشروعاً اتجاه هذه الأعمال، والتي تحاكي جزءاً واقعياً من حيواتنا. فالعمل يبرىء القامعين الكبار من أي تهمة، والكاتبة والمخرج يخافان النظام مثلنا كُلنا، لكن هذا لا يعني تخصيص كل هذه البراءة لقامع حرية الأمكنة الأول، وهو النظام السوري.

يتصدى الفيلم لمشكلة وكأنها ولدت بالفطرة، لا بالحرب، ولا مقموعين ولا قامع، المعضلة تتجزأ وكأنهم أمامها من دون بداية أو نهاية. في الدراما أو المعالجة الدرامية لا تنشأ الفكرة من صدفة، بل من توالدية فاعلة، فعلى الكاتب أن يُنشئ المحاكاة، أو ينقلها، فالحرب أو القمع هو من أزاح الناس. أي كان على ولادة الفيلم أن تتأتى من ولادة أساسية هي الحرب، ومن قامع قد يكون متخيلاً، سواء كان قامعاً موالياً أو معارضاً. الفيلم يبتعد عن القامعين بحيادية غير مبررة أبداً، ويجعل معضلتهم المجزأة مخيالية. وكأنهم خلقوا في المخيم بعد عشرين أو خمسين سنة من الآن. إنها مشكلة تصادر الفيلم برمته.

والانتقال لمشكلات الفيلم الأخرى هو نتاج طبيعي وشِدة أخلاقية مبررة بالنسبة للكثيرين، تصوير المرأة بهذه الجزئية والإيغال فيها، خاطئ لأنه أحادي، وليس لأنه يُهين المرأة بوصفها تُريد جنساً كما يهاجم البعض صنّاع الفيلم. في معايير الكتابة لأي فيلم هناك ما يُسمى (focalisation) وهو بلغة أدبية وفلسفية التركيز العميق للسارد وما يود كتابته، سواء عن الشخصية أو بمعالجة الفكرة.

هناك سؤال فني وإبداعي للفيلم: ما هو بئر الشخصية، فعلها، سلوكها، ذكرياتها، خلفيات تصرفاتها، مدى قبولها، والعقبة الداخلية الذاتية للشخصية في قبول خيمة تجعل الأزواج في حِلٍّ من التزامات المكان الصعبة في الخيمة لممارسة الجنس؟… لا شيء من هذا يظهر في الفيلم، وكأنه كُتب من أجل حلقة وثائقية أو حوارية عن قصة خيمة، لا قصة بشر مع خيمة. قلة الفنية والحيادية توّجها مهرجان الإسكندرية السينمائي المصري الذي كافأ الفيلم، علماً أن بعض الإعلام وبعض فناني مصر، يشاركون القامع الأكبر السيسي، في جعل السوريين مثالاً، أسوة بالصوماليين وجميع المقموعين في العالم، كحجة لقبول حكم الطغيان السيساوي، بحجة مخيماتهم وذُل اللجوء والنزوح الذي يرضخ له السوريون جراء قامعهم.

هذا المكتوب ليس درساً أخلاقياً، لكن تفكيكاً لثنائية سورية خفيفة العقل خلقها الفيلم، بين مهاجمي حقوق النساء، والمدافعين عنها. ليس هذا فخ الفيلم وإشكاليته، بل فشله في أن يقدم حتى الفن لجزء من قصة واقعية سورية.

دهشة الكاتبة بفكرتها، جعلتها تنسى أساسيات الكتابة الدرامية. فما المبرر الدرامي بالأصل للاستمتاع في الجنس؟ فالفيلم لم يصور مشهداً تراحمياً عاطفياً، يبرر للذَّكَر أيضاً سبب إيغاله في الغضب والتفكير جراء الحرمان الجنسي. ألم تستطع الكتابة خلق حوار واحد لشخصين يبرران هوسهما في الخيمة 56 من أجل الحرية الوحيدة التي يحصلان عليها مثلاً جراء الحصول على وقت منفرد مع الزوجة؟ ألا تملك المرأة أيضاً سرداً واحداً غير الطريقة التي صورت فيها الرغبة في الاختلاء بالشريك؟ فقر الفنية والبساطة، ظهر في نهاية الفيلم، بانتشار الأجساد حول حريق الخيمة. فالمشهد الختامي حريق الخيمة، لم يتبعه من المخرج أو الكاتبة أي امتداد بصري لأي شخصية للخروج من حلم الخيمة، لا نحو الوطن، ولا نحو السماء، ولا نحو البشر أو الأولاد. الفيلم بسيط جداً، ولا يستحق كل هذا العناء في الخلاف عليه ،لأنه يفتقد موضوعياً لشروط قيام الفيلم وصنعه، أما ما يدور حوله فهو اعتيادي لسوريين لا يملكون سوى خلافاتهم العقيمة. من منطلق آخر، ما زال النازحون في خيامهم رغم هذا كله. أما المدافعون عن الفيلم من بوابة حق المرأة، فهم مهووسون أكثر من كونهم دارسين منهجيين للفن أو لحقوق المرأة.

المصدر : المدن.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى